الشيخ السبحاني

464

سيد المرسلين

حريتهم - بيت اللّه الحرام ، في مكة المكرمة ، ويؤدوا مناسك العمرة أمام عيون الآلاف من أعدائهم الوثنيين وهي العمرة التي سميّت بعدئذ بعمرة القضاء كما عرفت . ( 1 ) ولقد بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في شهر جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة كتيبة قوامها ثلاثة آلاف مقاتل بقيادة ثلاثة فرسان من أركان جيشه ، إلى تخوم الشام وحدودها ، لمعاقبة وتأديب المتمردين والجناة من ولاة الروم وعمّالهم فيها ، وبالضبط أولئك الذين قتلوا دعاة الاسلام - الذين ابتعثهم صلّى اللّه عليه وآله للدعوة والتبليغ - من دون ذنب أو جرم . والجيش الاسلامي وإن استطاع أن ينجو بنفسه من هذه المعركة ، ويخرج منها بسلام ، من دون أن تكلّفه تلك المواجهة خسائر كبرى في الأرواح سوى ثلاثة هم قادة الجيش - على ما مر في قصة غزوة مؤتة - إلّا أنه ما عاد بانتصار باهر كان يأمله جنود الاسلام المجاهدون ، بل كانت العملية في هذه المعركة أشبه ما تكون بعملية الكرّ والفرّ . وقد أوجب انتشار هذا النبأ جرأة سادة قريش وسراتها ، فقد تصوروا أن المسلمين تضاءلت فيهم ( أو انعدمت ) روح الفروسية والاقدام ، وروح الشجاعة والبسالة . ( 2 ) من هنا قرّرت قريش أن تخلّ بالأمن والهدوء اللّذين استتبّا بعد اتّفاقية الحديبية ، فبادرت - أوّلا - إلى توزيع الأسلحة على قبيلة « بني بكر » من كنانة ، وإلى تحريضهم على أن يبيّتوا « خزاعة » المتحالفين مع المسلمين ، فيغيروا عليهم ليلا ، ويقتلوا فريقا ، ويأسروا آخرين ! ! بل لم تكتف قريش بهذا ، إنما اشترك جماعة من رجالها في هذا العمل الغادر بصورة مباشرة ، وبذلك نقضوا عهدهم الذي أعطوه في الحديبية ، وأخلّوا عمليا بالأمن والسلام ، وأحلّوا الفوضى والقتال ، مكان الاستقرار والهدوء اللذين سادا الجزيرة خلال عامين في أعقاب عقد معاهدة الحديبية !