الشيخ السبحاني
453
سيد المرسلين
الظفر والانتصار . فللدّول الكبرى اليوم أجهزة طويلة وعريضة ، وتشكيلات واسعة ، ومعقّدة لإعداد وتخريج الجواسيس البارعين ، وإرسالهم إلى النقاط والمراكز المطلوب اكتشاف أسرارها ، والتعرف على أوضاعها وخصوصياتها ، وترصد هذه الدول ميزانيات ضخمة لهذا الغرض « 1 » . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أوّل من ابتكر في تاريخ الاسلام هذا العمل في صورته المنظّمة ، وتبعه في ذلك الخلفاء الذين جاءوا من بعده ، وبخاصّة الامام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب الذي كان يستعين بجواسيس وعيون كثيرين في مجالات مختلفة ، عسكرية ، وإدارية . فكان عليه السّلام إذا نصب واليا على بلد ، جعل عليه عينا يراقب أعماله وتصرّفاته ، ويخبر الإمام بها أوّلا بأوّل ، فكان الإمام يكتب إلى ذلك الوالي ، ويوبّخه على تصرفاته وانحرافاته إن بلغه شيء من ذلك « 2 » . ( 1 ) ولقد كلّف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في السنة الثانية ثمانية رجال من المهاجرين ، بالتوجّه تحت إمرة « عبد اللّه بن جحش » إلى موضع معين ، والنزول فيه ، للتعرف على نشاطات قريش ، ومؤامراتهم . وقد كان عدم مفاجأة قريش للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله في معركة « أحد » وخروجه المبكّر من المدينة بقواه ، وجنوده ، والنزول في منطقة مناسبة عسكريا خارجها ، وحفره المبكّر أيضا للخندق المعروف في شمال المدينة ، والذي منع العدو ( جيش الأحزاب ) من اقتحام المدينة المنوّرة ، كل ذلك كان نابعا من معرفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله المسبقة والدقيقة بأسرار العدوّ ، ونواياه ،
--> ( 1 ) راجع : كتاب : المخابرات والعالم وغيره . ( 2 ) راجع : نهج البلاغة قسم الرسائل والكتب ، رقم 33 و 45 وكتاب الغارات . هذا وقد بحثنا موضوع الاستخبارات والتجسس في النظام الاسلامي بصورة مسهبة في كتابنا : معالم الحكومة الاسلامية ، فراجع .