الشيخ السبحاني
271
سيد المرسلين
نفوسهم كللا ومللا ، من جهة ، وعرّضت أنعامهم لخطر الهلاك والفناء من ناحية أخرى . ( 1 ) من هنا كلّف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله جماعة بأن يتصلوا بهذه القبائل ( الأخيرة ) ويذكروا لهم بأنّ المسلمين مستعدّون لإعطائهم ثلث تمر المدينة إن هم تركوا قريشا وعادوا إلى ديارهم ، فأعدّوا عهدا وجاءوا به إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ليمضيه ، ولكنه شاور فيه سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة قبل أن يمضيه ، فقالا : يا رسول اللّه إن كان أمرا من السماء فامض له ، وان كان أمرا لم تؤمر فيه فان الرأي عندنا هو السيف ، فإنهم ما طمعوا بهذا منّا قطّ في الجاهلية أن يأخذوا تمرة ، الا بشرى أو قرى ، فحين أتانا اللّه تعالى بك ، وأكرمنا بك ، وهدانا بك نعطي الدنيّة ؟ لا نعطيهم أبدا إلّا السيف ؟ ( 2 ) فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مبيّنا علة إقدامه على مثل هذا الصلح : « إني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة ، فقلت أرضيهم ولا أقاتلهم ، الآن قد عرفت ما عندكم فكونوا على ما أنتم عليه ، فان اللّه تعالى لن يخذل نبيّه ، ولن يسلمه حتى ينجز له ما وعده » « 1 » . فمحى سعد بن معاذ ما في الصحيفة باذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وقال : ليجهدوا علينا « 2 » . وبهذا كشف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عن صفحة أخرى من سياسته الحكيمة ، فقد كان إقدامه على ثني القبائل المتحالفة مع قريش في جيش الأحزاب باعطاء بعض التنازلات المادية ( لا المعنوية ) وتحييدها خطوة سياسية وعسكرية صحيحة ، ورائعة ، وكان مشورته مع أصحابه من الأنصار ( خاصة ) عملا حكيما أيضا لأنه استشار بذلك هممهم ، وشدّ من عزائمهم ، فوعدوا
--> ( 1 ) السيرة النبوية : ج 2 ص 223 ، بحار الأنوار : ج 20 ص 252 . ( 2 ) إمتاع الأسماع : ج 1 ص 236 وجاء فيه انه ( ص ) استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة خفية .