الشيخ السبحاني

189

سيد المرسلين

على أن هؤلاء لم يقاتلوا من أجل المآرب المادية ، وانما قاتلوا من أجل الهدف ، وهو إعلاء كلمة الدين وإقامة صرح التوحيد ، ومحو الوثنية والشرك . ( 1 ) هذا وفي بقية هذه القصة ما هو أعجب من أولها ، وهو أمر ، لا يمكن أن يدرك بالمقاييس المادية ، والأسس التي ينطلق منها أصحاب الاتجاه المادي في تحليل القضايا التاريخية . وانما يهضمها - فقط - من يؤمن بعالم آخر وراء العالم الماديّ الصرف ، ويصدّق بتأثيره في هذا العالم ، وبالتالي لا يقبل بها إلّا من يصدّق بقضية الإعجاز والمعجزة ، ويذعن لها ويعترف بصحتها من غير تلكّؤ وابطاء . وإليك هذه البقية : لمّا زجرت هند بعيرها لتدخل به المدينة برك البعير في مكانه . فقالت النسوة التي كنّ هناك : لعلّه برك لما عليه . فقالت هند : ما ذاك به ، لربما حمل ما يحمل البعيران ، ولكنّي أراه لغير ذلك . فزجرته ثانية ، فقام ، فلما وجّهت به إلى المدينة برك ، فوجهته راجعة إلى أحد فاسرع . فرجعت إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فأخبرته بذلك ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : فانّ الجمل مأمور . هل قال ( يعني : عمرو بن الجموح ) شيئا ؟ ( 2 ) قالت : إنّ عمرا لمّا وجّه إلى أحد استقبل القبلة ، وقال : اللّهم لا تردّني إلى أهلي خزيا ، وارزقني الشهادة ! ! قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « فلذلك الجمل لا يمضي . إنّ منكم يا معشر الأنصار من لو أقسم على اللّه لابرّه ، منهم عمرو بن الجموح ، يا هند ما زالت الملائكة مظلة على أخيك من لدن قتل إلى الساعة ينظرون أين يدفن » ، ثم مكث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حتى قبرهم ، ثم قال : « يا هند قد ترافقوا في الجنة جميعا ، عمرو بن الجموح ، وابنك خلّاد ، وأخوك عبد اللّه » . قالت هند : يا رسول اللّه فادع لي عسى أن يجعلني معهم « 1 » .

--> ( 1 ) إمتاع الأسماع : ج 1 ص 146 - 148 .