الشيخ السبحاني

175

سيد المرسلين

( 1 ) فلما قدمت إلى مكة أعتقت ثم أقمت حتى إذا افتتح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مكة هربت إلى الطائف فمكثت بها . فلما خرج وفد الطائف إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ليسلموا تعيّت عليّ المذاهب ، فقلت : ألحق بالشام أو اليمن ، أو ببعض البلاد ، فو اللّه إني لفي ذلك من همّي إذ قال لي رجل : ويحك إنه واللّه ما يقتل أحدا من الناس دخل في دينه ، وتشهّد شهادته . فلما قال لي ذلك ، خرجت حتى قدمت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله المدينة ، فلم يرعه إلّا بي قائما على رأسه أتشهّد بشهادة الحق ، فلمّا رآني قال : أو حشي ؟ ! قلت : نعم يا رسول اللّه . قال : اقعد فحدّثني كيف قتلت حمزة ، فحدثته بما جرى له معه ، فلما فرغت من حديثي قال : ويحك ! غيّب عني وجهك فلا أرينّك . ( 2 ) أجل هذه هي الروح النبويّة الكبرى ، وتلك هي سعة الصدر التي وهبها اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وآله قائد الاسلام الأعلى ، ومعلم البشرية الأكبر ، تراه عفى عن قاتل عمه ، مع أنّه كان في مقدوره أن يعدمه بمائة حجة وحجة ! ! يقول وحشي : فكنت أتنكّب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حيث كان لئلّا يراني ، حتى قبضه اللّه صلّى اللّه عليه وآله . فلما خرج المسلمون إلى قتال مسيلمة الكذاب خرجت معهم ، وأخذت حربتي التي قتلت بها حمزة ، فلمّا التقى الناس رايت مسيلمة الكذاب قائما في يده السيف ، وما أعرفه ، فتهيأت له ، وتهيّأ له رجل من الأنصار من الناحية الأخرى ، كلانا يريده فهزرت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها إليه ، فوقعت فيه ، وشد عليه الأنصاري فضربه بالسيف . هذا هو ما ادّعاه وحشي ، بيد أنّ هشام قال في سيرته : بلغني أن وحشيا لم يزل يحدّ في الخمر حتى خلع من الديوان فكان عمر بن الخطاب يقول : قد علمت أنّ اللّه تعالى لم يكن ليدع قاتل حمزة « 1 » .

--> ( 1 ) السيرة النبوية : ج 2 ص 72 و 73 .