الشيخ السبحاني

84

سيد المرسلين

أبسط نمط من أنماط الحياة الاجتماعية . ( 1 ) وقد كانت الحياة العربية - آنذاك - من هذا القبيل ، فكل مجموعة من العوائل المترابطة نسبيا تتجمع في شكل قبيلة ، وتشكل بذلك مجتمعا صغيرا يخضع فيه الجميع لأوامر رئيس القبيلة وزعيمها ، ولقد كان الجامع بين افراد القبيلة هو الرابطة القومية ، والوشيجة النسبية ، وكانت هذه القبائل تختلف في عاداتها ورسومها ، وتقاليدها وأعرافها ، اختلافا كبيرا ، وإذ كانت كل قبيلة تعتبر القبائل الأخرى غريبة عنها لذلك كانت لا تقيم للآخرين وزنا ولا قيمة ، ولا تعترف لهم باي حق أو حرمة . ولهذا كانت ترى الإغارة على الآخرين وقتلهم ، ونهب أموالهم ، وسلب ممتلكاتهم وسبي نسائهم من حقوقها القانونية المشروعة ، اللّهم إلّا أن يكون بين القبيلة ، والقبيلة الأخرى حلف أو معاهدة . هذا من جانب . ومن جانب آخر كانت القبيلة التي تتعرض للإغارة من جانب قبيلة أخرى ترى من حقها أن تردّ الصاع صاعين ، فتقتل كل أفراد القبيلة المغيرة ، لأن الدّم - في نظرهم - لا يغسله الا الدّم ! ! ! ولقد تبدلت أخلاقية العرب هذه بعد انضوائهم تحت لواء الإسلام الحنيف ، بل تحوّلوا من نمط الحكومة القبلية المتخلفة والنظام العشائري الضيّق هذا ، إلى حكومة عالميّة ، واستطاع رسول الإسلام صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ان يؤلف من القبائل العربية المتفرقة أمّة واحدة . ( 2 ) ولا شك أن تأليف أمة واحدة من قبائل وجماعات اعتادت طوال سنين مديدة من التاريخ على التناحر والتنازع ، والتخاصم والتقاتل ، والتهاجم والإغارة في ما بينها ، واستمرأت سفك الدماء ، وإزهاق الأرواح ، وذلك في مدة قصيرة ، عمل عظيم جدا ، ومعجزة اجتماعية لا نظير لها ، لأن مثل هذا التحوّل العظيم إذا أريد له أن يتمّ عبر التحوّلات والتطورات العاديّة لاحتاج إلى تربية طويلة الأمد ، ووسائل لا تحصى كثرة .