الشيخ السبحاني
68
سيد المرسلين
( 1 ) فلا بدّ أن نعرف ما ذا كانت تلك الأغلال والسلاسل التي كانت عرب الجاهلية ترزح تحتها حتى قبيل بزوغ فجر الإسلام ؟ لا ريب أنّها لم تكن من جنس الأغلال والسلاسل الحديدية ، ولم يكن المقصود منها ذلك أبدا ، فما ذا كانت إذن يا ترى ؟ أجل إن المقصود من هذه الاغلال هي الأوهام والخرافات التي كانت تقيّد العقل العربي عن الحركة ، وتعيقه عن النمو والتقدم ، ولا شك أن مثل هذه السلاسل والأغلال التي تقيّد الفكر البشري وتمنعه من التحليق والتسامي ، اثقل بكثير من الاغلال والقيود الحديدية واضرّ على الإنسان منها بدرجات ومراتب ، لأنّ الأغلال الحديديّة توضع عن الأيدي والأرجل بعد مضي زمان ، ويتحرر الإنسان منها ، بعد حين ، ليدخل معترك الحياة بعقلية سليمة مبرّأة من الأوهام والخرافات ، وقد زالت عنه ما تركته تلك الحدائد من جروح وآلام . ( 2 ) أما السلاسل والاغلال الفكرية ( ونعني بها الأوهام والأباطيل والخرافات ) التي قد تهيمن على عقل الإنسان وتكبّل شعوره فإنها طالما رافقت الإنسان إلى لحظة وفاته ، واعاقته عن المسير والانطلاق ، دون ان يستطيع التحرر منها ، والتخلص من آثارها ، وتبعاتها ، اللهم إذا استعان على ذلك بالتفكير السليم ، والهداية الصحيحة . فبالتفكير السليم وفي ضوء العقل البعيد عن أيّ وهم وخيال يمكنه التخلص من تلك الاغلال والقيود الثقيلة ، وأما بدون ذلك فإن أي سعي للإنسان في هذا السبيل سيبوء بالفشل . ( 3 ) إن من أكبر مفاخر نبي الإسلام أنه كافح الخرافات ، وأعلن حربا شعواء على الأساطير ، ودعا إلى تطهير العقل من أدران الأوهام والتخيلات ، وقال : لقد جئت لاخذ بساعد العقل البشري ، وأشد عضده ، وأحارب الخرافة مهما كان مصدرها . وكيفما كان لونها وأيّا كانت غايتها ، حتى لو خدمت أهدافي ، وساعدت على تحقيق مقاصدي المقدسة . إنّ ساسة العالم الذين لا تهمهم إلّا إرساء قواعد حكمهم وسلطانهم على