الشيخ السبحاني

12

سيد المرسلين

( 1 ) ولكنّ المؤسف أن كتب التاريخ الموجودة الآن تعاني من نقص كبير من حيث الإشارة إلى العبر والدروس الاجتماعية المفيدة ، لأن هذه المصنفات لم تدوّن لأجل هذا الغرض ، ولهذا اغفل فيها - في الأغلب - كل ما هو مؤثر في كشف الحقائق التاريخية ، وإبراز العلل الكامنة وراء الحوادث المتنوعة والوقائع المختلفة ، وبالتالي فقد تجاهلت تلك الكتب والدراسات ما هو المفتاح الطبيعيّ لحلّ الرموز الكبرى في مسيرة التاريخ البشري ، واعتنت - بدلا عن ذلك - بالقضايا التافهة . لقد تصدّى كثير من المؤرّخين لتدوين وتسجيل القضايا التاريخية ، تارة بهدف التسلية وأخرى بدافع إبراز الفضل لأقوامهم أو طوائفهم ، واظهار تفوقها على الأقوام والطوائف الأخرى ، وثالثة بدافع الحب والبغض ، أو التعصب لهذا أو ذاك ولهذا عجزت هذه المؤلفات والكتب عن حل أية مشكلة ، وتبديد أية حيرة ، بل هي تزيد المرء ضلالا إلى ضلال ، وحيرة إلى حيرة ! ولكن رغم كل هذا يستطيع أولو النباهة والبصيرة ، وأصحاب الفهم والتحقيق ان يتوصلوا - من خلال مطالعة هذه المؤلفات التاريخية على ما فيها من عيوب ونقائص ، ومع ما فيها من أساطير عن الشعوب المختلفة - إلى ما يساعدهم على كشف الكثير من اسرار وخلفيات القضايا والأمور المتعلقة بالشعوب الماضية ، تماما كما يفعل الطبيب الحاذق ، أو القاضي البارع الذي يمكنهما من خلال الوقوف على القرائن الجزئية المتفرقة ، التوصّل إلى اكتشاف نوع « المرض » أو حالة « المتهم » الحقيقية ، وما يعاني منه في واقعه النفسي . ( 2 ) إنّ أعظم صفحات التاريخ قيمة هي تلك التي تعكس لنا حياة العظماء وسيرة الرجال الخالدين ، وتبحث عنها بصدق وأمانة وموضوعية . إنّ لحياتهم أمواجا خاصة ، كما أنها زاخرة بأنواع الحوادث . لقد كانوا عظماء حقا ، وكذلك كان كل ما يرتبط بهم ، ومن ذلك تاريخهم ، إنه شيء عظيم يستحق التأمّل والتدبر ، فهو يتسم بلمعان يلفت الأنظار ، ويخلب