العلامة المجلسي
84
بحار الأنوار
من كتاب " ( 1 ) " ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله " ( 2 ) انتهى . وأقول : ينبغي أن يعلم أن ما تهواه النفس ليس كله مذموما وما لا تهواه النفس ليس كله ممدوحا ، بل المعيار ما مر في باب ذم الدنيا ( 3 ) وهو أن كل ما يرتكبه الانسان لمحض الشهوة النفسانية واللذة الجسمانية والمقاصد الفانية الدنيوية ، ولم يكن الله مقصودا له في ذلك ، فهو من الهوى المذموم ، ويتبع فيه النفس الامارة بالسوء ، وإن كان مشتملا على زجر النفس عن بعض المشتهيات أيضا كمن يترك لذيذ المأكل والمطعم والملبس ، ويقاسي الجوع والصوم والسهر للاشتهار بالعبادة ، وجلب قلوب الجهال ، وما يرتكبه الانسان لاطاعة أمره سبحانه وتحصيل رضاه وإن كان مما تشتهيه نفسه وتهواه ، فليس هو من الهوى المذموم كمن يأكل ويشرب لامره تعالى بهما أو لتحصيل القوة على العبادة وكمن يجامع الحلال لكونه مأمورا به ، أو لتحصيل الأولاد الصالحين ، أو لعدم ابتلائه بالحرام . فهؤلاء وإن حصل لهم الالتذاذ بهذه الأمور لكن ليس مقصودهم محض اللذة بل لهم في ذلك أغراض صحيحة إن صدقتهم أنفسهم ولم تكن تلك من التسويلات النفسانية ، والتخييلات الشيطانية ، ولو لم يكن غرضهم من ارتكاب تلك اللذات هذه الأمور ، فليسوا بمعاقبين في ذلك إذا كان حلالا لكن إطاعة النفس في أكثر ما تشتهيه قد ينجر إلى ارتكاب الشبهات والمكروهات ، ثم إلى المحرمات ، ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه . فظهر أن كل ما تهواه النفس ليس مما يلزم اجتنابه ، فان كثيرا من العلماء قد يلتذون بعلمهم أكثر مما يلتذ الفساق بفسقهم ، وكثيرا من العباد يأنسون بالعبادات بحيث يحصل لهم الهم العظيم بتركها ، وليس كل ما لا تشتهيه النفس
--> ( 1 ) الشورى : 15 . ( 2 ) القصص : 50 ، راجع مفردات غريب القرآن 548 . ( 3 ) يعنى باب ذم الدنيا والزهد فيها من الكافي .