العلامة المجلسي

34

بحار الأنوار

وهو قول الله عز وجل " عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " ( 1 ) . تبيين : اعلم أن معرفة القلب وحقيقته وصفاته مما خفي على أكثر الخلق ولم يبين أئمتنا عليهم السلام ذلك إلا بكنايات وإشارات ، والأحوط لنا أن نكتفي من ذلك بما بينوه لنا من صلاحه وفساده ، وآفاته ودرجاته ، ونسعى في تكميل هذه - الخلقة العجيبة واللطيفة الربانية ، وتهذيبها عن الصفات الذميمة الشيطانية ، وتحليتها بالأخلاق الملكية الروحانية ، لنستعد بذلك للعروج إلى أعلى مدارج الكمال وإفاضة المعارف من حضرة ذي الجلال ، ولا يتوقف ذلك على معرفة حقيقة القلب ابتداء فإنه لو كان متوقفا على ذلك لأوضح موالينا وأئمتنا عليهم السلام لنا ذلك بأوضح البيان ، وحيث لم يبينوا ذلك لنا فالأحوط بنا أن نسكت عما سكت عنه الكريم المنان ، لكن نذكر هنا بعض ما قيل في هذا المقام ، ونكتفي بذلك والله المستعان . فاعلم أن المشهور بين الحكماء ومن يسلك مسلكهم أن المراد بالقلب النفس الناطقة ، وهي جوهر روحاني متسوط بين العالم الروحاني الصرف ، والعالم - الجسماني ، يفعل فيما دونه ، وينفعل عما فوقه ، وإثبات الاذن له على الاستعارة والتشبيه . قال بعض المحققين : القلب شرف الانسان وفضيلته التي بها فاق جملة من أصناف الخلق باستعداده لمعرفة الله سبحانه ، التي في الدنيا جماله وكماله وفخره وفي الآخرة عدته وذخره ، وإنما استعد للمعرفة بقلبه لا بجارحة من جوارحه فالقلب هو العالم بالله ، وهو العامل لله ، وهو الساعي إلى الله ، وهو المتقرب إليه وإنما الجوارح أتباع له وخدم ، وآلات يستخدمها القلب ، ويستعملها استعمال الملك للعبيد ، واستخدام الراعي للرعية ، والصانع للآلة . والقلب هو المقبول عند الله إذا سلم من غير الله ، وهو المحجوب عن الله إذا صار مستغرقا بغير الله ، وهو المطالب والمخاطب ، وهو المثاب والمعاقب ، وهو الذي

--> ( 1 ) الكافي ج 2 ص 266 ، والآية في سورة ق : 18 .