العلامة المجلسي
354
بحار الأنوار
فإذا اسم الرجاء إنما يصدق على انتظار محبوب تمهدت جميع أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد ، ولم يبق إلا ما ليس يدخل تحت اختياره ، وهو فضل الله بصرف القواطع والمفسدات . فالعبد إذا بث بذر الايمان ، وسقاه بماء الطاعة ، وطهر القلب عن شوك الأخلاق الردية ، وانتظر من فضل الله تثبيته على ذلك إلى الموت ، وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة ، كان انتظاره رجاء حقيقيا محمودا في نفسه ، باعثا له على المواظبة والقيام بمقتضى الايمان في إتمام أسباب المغفرة إلى الموت ، وإن انقطع عن بذر الايمان تعهده بماء الطاعات ، أو ترك القلب مشحونا برذائل الأخلاق وانهمك في طلب لذات الدنيا ، ثم انتظر المغفرة فانتظاره حمق وغرور كما قال تعالى : " فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا " ( 1 ) وإنما الرجاء بعد تأكد الأسباب ، ولذا قال تعالى : " إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله " ( 2 ) . وأما من ينهمك فيما يكرهه الله ، ولا يذم نفسه عليه ، ولا يعزم على التوبة والرجوع ، فرجاؤه المغفرة حمق كرجاء من بث البذر في أرض سبخة وعزم أن لا يتعهدها بسقي ولا تنقية . فإذا عرفت حقيقة الرجاء ومظنته ، فقد عرفت أنها حالة أثمرها العلم بجريان أكثر الأسباب ، وهذه الحالة تثمر الجهد للقيام ببقية الأسباب على حسب الامكان فان من حسن بذره ، وطابت أرضه ، وغزر ماؤه ، صدق رجاؤه فلا يزال يحمله صدق الرجاء على تفقد الأرض وتعهده ، وتنقية كل حشيش ينبت فيه ، ولا يفتر عن تعهده أصلا إلى وقت الحصاد ، وهذا لان الرجاء يضاده اليأس ، واليأس يمنع من التعهد ، والخوف ليس بضد للرجاء ، بل هو رفيق له وباعث آخر بطريق الرهبة ، كما أن الرجاء باعث بطريق الرغبة انتهى .
--> ( 1 ) الأعراف : 169 . ( 2 ) البقرة : 218 .