العلامة المجلسي
197
بحار الأنوار
الخامسة نية من يعبده تقربا إليه تعالى تشبيها للقرب المعنوي بالقرب المكاني ، وهذا هو الذي ذكره أكثر الفقهاء ، ولم أر في كلامهم تحقيق القرب المعنوي ، فالمراد إما القرب بحسب الدرجة والكمال ، إذ العبد لامكانه في غاية النقص ، عار عن جميع الكمالات ، والرب سبحانه متصف بجميع الصفات الكمالية فبينهما غاية البعد ، فكلما رفع عن نفسه شيئا من النقائص ، واتصف بشئ من الكمالات ، حصل له قرب ما بذلك الجناب ، أو القرب بحسب التذكر والمصاحبة المعنوية ، فان من كان دائما في ذكر أحد ومشغولا بخدماته فكأنه معه ، وإن كان بينهما غاية البعد بحسب المكان ، وفي قوة هذه النية إيقاع الفعل امتثالا لامره تعالى أو موافقة لإرادته أو انقيادا وإجابة لدعوته أو ابتغاء لمرضاته . فهذه النيات التي ذكرها أكثر الأصحاب وقالوا : لو قصد لله مجردا عن جميع ذلك كان مجزيا ، فإنه تعالى غاية كل مقصد ، وإن كان يرجع إلى بعض الأمور السالفة . السادسة نية من عبد الله لكونه أهلا للعبادة ، وهذه النية الصديقين ، كما قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه : ما عبدتك خوفا من نارك ، ولا طمعا في جنتك ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك ، ولا تسمع هذه الدعوى من غيرهم ، وإنما يقبل ممن يعلم منه أنه لو لم يكن لله جنة ولا نار ، بل لو كان على الفرض المحال يدخل العاصي الجنة والمطيع النار ، لاختار العبادة لكونه أهلا لها ، كما أنهم في الدنيا اختاروا النار لذلك ، فجعلها الله عليهم بردا وسلاما ، وعقوبة الأشرار فجعلها الله عندهم لذة وراحة ونعيما . السابعة نية من عبد الله حبا له ودرجة المحبة أعلى درجات المقربين ، والمحب يختار رضا محبوبه ، ولا ينظر إلى ثواب ولا يحذر من عقاب ، وحبه تعالى إذا استولى على القلب يطهره عن حب ما سواه ، ولا يختار في شئ من الأمور إلا رضا مولاه . كما روى الصدوق - رحمه الله - باسناده عن الصادق عليه السلام أنه قال : إن الناس