العلامة المجلسي
192
بحار الأنوار
والجوارح كالرعايا والاتباع ، والمقصود من أعمالها حصول ثمرة القلب . فلا تظن أن في وضع الجبهة على الأرض غرضا من حيث إنه جمع بين الجبهة والأرض ، بل من حيث إنه بحكم العادة يؤكد صفة التواضع في القلب ، فان من يجد في نفسه تواضعا فإذا استعان بأعضائه وصورها بصورة التواضع ، تأكد بذلك تواضعه ، وأما من يسجد غافلا عن التواضع ، وهو مشغول القلب بأغراض الدنيا فلا يصل من وضع جبهته على الأرض أثر على قلبه ، بل سجوده كعدمه نظرا إلى الغرض المطلوب منه ، فكانت النية روح العمل وثمرته ، والمقصد الأصلي من التكليف به ، فكانت أفضل . وهذا الوجه قريب مما ذكره الغزالي في إحيائه ، وهو أن كل طاعة تنتظم بنية وعمل ، وكل منهما من جملة الخيرات إلا أن النية من الطاعتين خير من العمل ، لان أثر النية في المقصود أكثر من أثر العمل ، لان صلاح القلب هو المقصود من التكليف ، والأعضاء آلات موصلة إلى المقصود ، والغرض من حركات الجوارح أن يعتاد القلب إرادة الخير ، ويؤكد الميل إليه ، ليتفرغ عن شهوات الدنيا ، ويقبل على الذكر والفكر ، فبالضرورة يكون خيرا بالإضافة إلى الغرض قال الله تعالى : " لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم " ( 1 ) والتقوى صفة القلب وفي الحديث إن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد . العاشر أن نية المؤمن هي الباعثة له على عمل الخير ، فهي أصل العمل وعلته والعمل فرعها ، لأنه لا يحصل العمل ولا يوجد إلا بتصور المقصود الحقيقي والتصديق بحصوله ، وانبعاث النفس إليه ، حتى يشتد العزم ، ويوجد الفعل فبهذه الجهة هي أشرف ، وكذا نية الكافر سبب لعمله الخبيث فهي شر منه . الحادي عشر أن النية روح العمل ، والعمل بمثابة البدن لها ، فخيريته وشريته تابعتان لخيرية النية وشريتها ، كما أن شرافة البدن وخباثته تابعتان
--> ( 1 ) الحج : 37 .