العلامة المجلسي
120
بحار الأنوار
فلما سمع صاحبي ذلك نهض مسرعا مبادرا ففعل من القفز ( 1 ) والرقص والبكاء واللطم ما يزيد على ما فعله من قبله ممن كان يخطئه ويستجهله ، وأخذ يستعيد من الشعر ما لا يحسن استعادته ، ولا جرت عادتهم بالطرب على مثله ، وهو قوله : فطافت بذاك القاع ولها فصادفت * سباع الفلا ينهشنه أيما نهش ويفعل بنفسه ما حكيت ولا يستعيد غير هذا البيت حتى بلغ من نفسه المجهود ، ووقع كالمغشي عليه من الموت ، فحيرني ما رأيت من حاله ، وأخذت أفكر في أفعاله المضادة ، لما سمعت من أقواله ، فلما أفاق من غشيته لم أملك الصبر دون سؤاله عن أمره ، وسبب ما صنعه بنفسه مع تجهيله من قبل لفاعله ، وعن وجه استعادته من الشعر ما لم تجر عادتهم باستعادة مثله ، فقال لي : لست أجهل ما ذكرت ، ولي عذر واضح فيما صنعت ، أعلمك أن أبي كان كاتبا ، وكان بي برا وعلي شفيقا ، فسخط السلطان عليه فقتله ، فخرجت إلى الصحراء لشدة ما لحقني من الحزن عليه ، فوجدته ملقى والكلاب ينهشون لحمه ، فلما سمعت المغني يقول : فطافت بذاك القاع ولها فصادفت * سباع الفلا ينهشنه أيما نهش ذكرت ما لحق أبي ، وتصور شخصه بين عيني ، وتجدد حزنه علي ، ففعلت الذي رأيت بنفسي . فندمت حينئذ على سوء ظني به ، وتغممت له غما لحقه واتعظت بقصته . 11 - وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ( 2 ) : روي أن قوما من المتصوفة دخلوا بخراسان على علي بن موسى عليهما السلام فقالوا له : إن أمير المؤمنين عليه السلام فكر فيما ولاه الله من الأمور ، فرآكم أهل البيت أولى الناس أن تؤموا الناس ، ونظر فيكم أهل البيت فرآك أولى الناس بالناس ، فرأى أن يرد هذا الامر إليك ، والإمامة تحتاج إلى من يأكل الجشب ، ويلبس الخشن ، ويركب الحمار ، ويعود المريض .
--> ( 1 ) القفز : الوثوب وأصله للظبي . ( 2 ) شرح النهج ج 3 ص 12 . وفي ط 17 .