الشيخ عبد الله البحراني

5

العوالم ، الإمام الرضا ( ع )

الجزء الثاني والعشرون المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بعد حمده تعالى على ما منّ به وأعطى ، وصلواته وسلامه على عباده الذين اصطفى ، المعلّل كلّ مخلوق بلولاهم : المصطفى ، والمرتضى ، والزهراء ، والمجتبى ، والشهيد بكربلاء ، وعلى التسعة المعصومين أوتاد الثرى ، وأعلام الدجى . أقول : فهذا المجلّد من عوالم العلوم يتصفّح جوانب من حياة الإمام الرضا « عليّ بن موسى » عليهما السلام ، الكوكب الثامن الذي تألّق في سماء العصمة والطهارة من صفوة ورثة النبوة ، ومن شجرة الرسالة المحمّدية الّتي أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها ويتضمّن بعضا من سيرة بحر زاخر بالحكمة والأدب لا يدرك قراره ، وفنن دوحة مباركة كان العلم والفقه شعاره ودثاره . عزيزي القارئ : لقد أجمع المؤالف والمخالف على روعة سلوك إمامنا « أبي الحسن الرضا عليه السلام » وعميق علمه ، وسلامة فقهه ، وعظيم أخلاقه ، وتجرّده من كلّ نزعة ، فركع مثل رأس الجالوت أمام عتبة علمه هزيمة ، وطأطأ الجاثليق رأسه إمعانا في سكوته وتراجعه ، واعترف المأمون بحقّه قائلا : « يا بن رسول اللّه ! قد عرفت فضلك وعلمك وزهدك وورعك وعبادتك ، وأراك أحقّ بالخلافة منّي . . . » . ولقد جسّد الإمام عليه السلام بحقّ روح الإسلام ونظرته النيّرة في هداية الناس ، وتنوير عقولهم ، وتهذيب أخلاقهم ، وتقويم سلوكهم ، ورفدهم بأسباب الحياة الحرّة الكريمة ، وتربيتهم وتغذيتهم بمكارم الأخلاق . ولعلّ أهم ما تجدر الإشارة إليه هو أنّ الظرف الذي عاشه الإمام الرضا عليه السلام كانت له خصوصيّاته التي انعكست في سلوكه وسيرته المباركة ، والتي انسجمت تماما مع الدور الإلهي المكلّف للقيام به ، فكان عليه السلام بحقّ إماما من اللّه ونورا ، وقائدا فذّا ، ماثلت أخلاقه أخلاق جدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وحاكت سيرته سيرته ، فبعد شهادة والده عليه السلام وترك جثمانه الطاهر على قارعة الطريق ، والتشهير به بتلك الصورة الأليمة التي لم تشابهها شهادة معصوم آخر سوى شهادة جدّه الحسين عليه السلام ، الأمر الذي كان يعدّ طعنة نجلاء سدّدها العبّاسيّون للشيعة وعقيدتهم وقيمهم وفكرهم . زد على ذلك ما انبثق بعد شهادة الإمام الكاظم من تيّارات فكريّة غريبة ، كان على رأسها الواقفية التي كان يمثّلها أشخاص لهم ثقلهم في المجتمع آنذاك ، وما آلت إليه الأوضاع