الشيخ عبد الله البحراني

345

العوالم ، الإمام الرضا ( ع )

قدره ، فلو لا هيبتك في نفسي « 1 » لأنزلته منزلته ، وبيّنت للناس قصوره عمّا رشّحته « 2 » له . قال المأمون : ما شيء أحبّ إليّ من هذا . قال : فاجمع وجوه أهل مملكتك والقوّاد « 3 » والقضاة ، وخيار الفقهاء لابيّن نقصه بحضرتهم ، فيكون أخذا له عن محلّه الّذي أحللته فيه ، على علم منهم بصواب فعلك . قال : فجمع الخلق الفاضلين من رعيّته في مجلس واسع قعد فيه لهم ، وأقعد الرضا عليه السلام بين يده في مرتبته الّتي جعلها له ، فابتدأ هذا الحاجب المتضمّن للوضع من الرضا عليه السلام وقال له : إنّ الناس قد أكثروا عنك الحكايات ، وأسرفوا في وصفك بما أرى أنّك إن وقفت عليه ، برئت إليهم منه . فأوّل ذلك أنّك [ قد ] دعوت اللّه في المطر المعتاد مجيئه ، فجاء ، فجعلوه آية لك معجزة ، أوجبوا لك بها أن لا نظير لك في الدنيا ، وهذا أمير المؤمنين - أدام اللّه ملكه وبقاءه - لا يوازن « 4 » بأحد إلّا رجح به ، وقد أحلّك المحلّ الّذي [ قد ] عرفت ، فليس من حقّه عليك أن تسوّغ « 5 » الكاذبين لك وعليه ما يتكذّبونه . فقال الرضا عليه السلام : ما أدفع عباد اللّه عن التحدّث بنعم اللّه عليّ ، وإن كنت لا أبغي أشرا ولا بطرا ، وأمّا ذكرك صاحبك الّذي أحلّني ، فما أحلّني إلّا المحلّ الّذي أحلّه ملك مصر يوسف الصدّيق عليه السلام وكانت حالهما ما قد علمت . فغضب الحاجب عند ذلك ، وقال : يا بن موسى لقد عدوت طورك ، وتجاوزت قدرك ، أن بعث اللّه تعالى بمطر مقدّر وقته ، لا يتقدّم ولا يتأخّر ، جعلته آية تستطيل بها ، وصولة تصول بها ، كأنّك جئت بمثل آية الخليل إبراهيم عليه السلام لمّا أخذ رؤوس الطير بيده ، ودعا أعضاءها الّتي كان فرّقها على الجبال ، فأتينه سعيا وتركّبن على الرؤوس ، وخفقن وطرن بإذن اللّه عزّ وجلّ ! فإن كنت صادقا فيما توهّم ، فأحي هذين وسلّطهما عليّ ، فإن

--> ( 1 ) - « صدري » ع ، ب . ( 2 ) - « يقال : فلان يرشّح للوزارة ، أي يربّى ويؤهّل لها » منه ره . ( 3 ) - « فاجمع جماعة وجوه مملكتك من القوّاد » م . ( 4 ) - « لا يوازى » م . ( 5 ) - سوّغ الأمر : جوّزه .