العلامة المجلسي

217

بحار الأنوار

أن الأول نظري والثاني بديهي ، لكن لما كان النظري إنما يصير يقينيا بانتهائه إلى البديهي ولم يبق فرق بين العلمين ، امتنع تغير ذلك العلم وتبدله كما يمتنع تغير علمه بوجود نفسه . والحاصل أن العلم إذا انطبق على المعلوم الحقيقي الذي لا يتغير أصلا فمحال تغيره ، وإلا لما كان منطبقا ، فعلم أن ما يحصل لبعض الناس من تغيير عقيدة الايمان لم يكن بعد اتصاف أنفسهم بما ذكرناه من العلم ، بل كان الحاصل لهم ظنا غالبا بتلك المعلومات ، لا العلم بها ، والظن يمكن تبدله وتغيره ، وإن كان المظنون لا يمكن تبدله ، لان الانطباق غير حاصل وإلا لصار علما . إن قلت : يتصور زوال الايمان بصدور بعض الأفعال الموجبة للكفر كما تقدم وإن بقي التصديق اليقيني بالمعارف المذكورة فقد صح أن المؤمن قد يكفر بعد اتصافه بالايمان . قلت : لا نسلم إمكان صدور فعل يوجب الكفر ممن اتصف بالعلم المذكور ، بل صار ذلك الفعل ممتنعا بالغير الذي هو العلم اليقيني وإن أمكن بالذات ، وحينئذ فصدور بعض الأفعال المذكورة إنما كان لعدم حصول العلم المذكور ، وبالجملة فكلام علم الهدى ومذهبه هنا رضي الله عنه في غاية القوة والمتانة ، بعد تدقيق النظر وقد ظهر مما حررناه أن القائلين بامكان زوال الايمان بعروض الكفر إن أرادوا به إمكان زوال العلم بالأمور المذكورة ، فظاهر أنه ممتنع بالذات ، كانقلاب الحقائق وإن أرادوا به إمكان انتفاء الايمان بعروض شئ من الافعال وإن بقي العلم فقد بينا أنه ممتنع بالغير ، فان أرادوا بالامكان على هذا التقدير الامكان الذاتي فلا نزاع لاحد فيه ، وإن أرادوا به عدم الامتناع ولو بالغير فقد بينا منعه وامتناعه . وبالجملة فظواهر كثير من الآيات الكريمة والسنة المطهرة تدل على إمكان طروء الكفر على الايمان ، وعلى هذا بناء أحكام المرتدين ، وهو مذهب أكثر المسلمين ، نعم في الاعتبار ما يدل على عدم جواز طروئه عليه كما أشرنا إليه ، إن جعلنا الايمان عبارة عن التصديق مع الاقرار أو حكمه ، لكن الأول هو الأرجح