العلامة المجلسي

206

بحار الأنوار

وهذا استخراج لم نسبق إليه وبيان لم يعثر غيرنا عليه ، على أن هذا الحديث لو قطعنا النظر عما ذكرناه ، وحملناه على ظاهره ، لكان معارضا بما سبق من حديث جبرئيل للنبي صلى الله عليه وآله حيث سأله عن الايمان فقال : أن تؤمن بالله ورسله واليوم الآخر أي تصدق بذلك ، ولو بقي من حقيقته شئ سوى ما ذكره له لبينه له ، فدل على أن حقيقته تتم بما أجابه بالقياس إلى كل مكلف ، أما للنبي صلى الله عليه وآله فلانه المجاب به حين سأله ، وأما لغيره فللتأسي به ، وطريق الجمع بينهما حينئذ حمل ما في حديث الجوارح من الزيادة عن ذلك على مرتبة الكمال كما بيناه سابقا . وههنا بحث وهو أن حقيقة الايمان لما كانت من الأمور الاعتبارية للشارع كان تحديدها إنما هو بجعل الشارع وتقريره لها ، فلا يعلم حينئذ مقداره وحقيقته إلا منه ، وحيث رأينا ما وصل إلينا من خطاباته تعالى غير قاطع في الدلالة على تعيين قدر مخصوص من أنواع الاعتقاد أو الأعمال ، بحيث تشترك الكل في التكليف به ، من غير تفاوت بين قوي الادراك وضعيفه ، بل رأيناها متفاوتة في الدلالة على ذلك ، يعلم ذلك من تتبع آيات الكتاب العزيز والسنة المطهرة ، وقد سبق نبذة من ذلك ، ولا يجوز الاختلاف في خطاباته ولا أن يكلف عباده بأمر لا يبين لهم مراده تعالى منه ، لاستحالة تكليف مالا يطاق ، وإخلاله باللطف ، ورأينا الأكثر ورودا في كتابه بذلك الامر بالاعتقاد القلبي من غير تعيين مقدار مخصوص منه بقاطع يوقفنا على اعتباره ، أمكن حينئذ أن يكون مراده منه مطلق الاعتقاد العلمي سواء كان علم الطمأنينة ، أو علم اليقين ، أو حق اليقين ، أو عين اليقين ، فتكون حقيقة واحدة وهو الاذعان القلبي والاعتقاد العلمي والتفاوت بالزيادة والنقصان إنما هو في أفراد تلك الحقيقة ومن مشخصاتها ، فلا يكون داخلا في الحقيقة المذكورة . وما ورد مما ظاهره الاختلاف في الدلالة على مراد الشارع منه يمكن تنزيله على تفاوت الافراد المذكورة كعلم الطمأنينة ، وعلم اليقين ، وغيرهما ، فيكون كل واحد منها مرادا وكافيا في امتثال أمر الشارع ، وهذا هو المناسب لسهولة التكليف واختلاف طبقات المكلفين في الادراك كما لا يخفى .