الشيخ عبد الله البحراني

594

العوالم ، الإمام جعفر الصادق ( ع )

يقول : إنّ الناس قد يسألونك ولا يعذرونك ، فإذا أعطيت جميع ما عندك من المال كنت قد حسرت « 1 » من المال ؛ فهذه أحاديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يصدّقها الكتاب ، والكتاب يصدّقه أهله من المؤمنين . وقال أبو بكر عند موته حيث قيل له : أوص ، فقال : أوصي بالخمس ، والخمس كثير ، فإنّ اللّه جلّ وعزّ قد رضي بالخمس ، فأوصى بالخمس . وقد جعل اللّه عزّ وجلّ له الثلث عند موته ، ولو علم أنّ الثلث خير له أوصى به . ثمّ « من قد علمتم بعده في فضله وزهده : سلمان رضي اللّه عنه ، وأبو ذر رحمه اللّه » : فأمّا سلمان ، فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته ، حتّى يحضر عطاؤه من قابل ، فقيل له : يا أبا عبد اللّه ! أنت في زهدك تصنع هذا ؟ وأنت لا تدري لعلّك تموت اليوم أو غدا ؟ فكان جوابه أن قال : ما لكم لا ترجون لي البقاء ، كما خفتم عليّ الفناء ؟ أما علمتم يا جهلة أنّ النفس قد تلتاث « 2 » على صاحبها إذا لم يكن [ لها ] من العيش ما تعتمد عليه ، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنّت ؛ وأمّا أبو ذر رضي اللّه عنه فكانت له نويقات وشويهات يحلبها ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم ، أو نزل به ضيف ، أو رأى بأهل الماء الّذين هم معه خصاصة نحر لهم الجزور ، أو من الشياه على قدر ما يذهب عنهم بقرم « 3 » اللحم ، فيقسمه بينهم ، ويأخذ هو كنصيب واحد منهم ، لا يتفضّل عليهم ؛ ومن أزهد [ من ] هؤلاء ؟ وقد قال فيهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ما قال ، ولم يبلغ من أمرهما أن صارا لا يملكان شيئا البتّة ،

--> ( 1 ) « حسرت : على بناء المجهول من الحسر بمعنى الكشف ، أي مكشوفا عاريا من المال ، أو من الحسور وهو الانقطاع ، يقال : حسره السفر إذا قطع به ؛ وعلى التقديرين تفسير لقوله تعالى محسورا » . ( 2 ) « الالتياث : الاختلاط والالتفاف والإبطاء » ؛ ( 3 ) « القرم ، محرّكة : شهوة اللحم » منه ره .