الشيخ عبد الله البحراني
326
العوالم ، الإمام محمد الباقر ( ع )
سأخبرك بما قال لك ابن قيس الماصر قبل أن تسألني عنه ، واصيّر الأمر في تعريفه إيّاه إليك ، إن شئت أخبرته ، وإن شئت لم تخبره ؛ إنّ اللّه عزّ وجلّ خلق خلّاقين « 1 » ، فإذا أراد أن يخلق خلقا أمرهم ، فأخذوا من التربة التي قال في كتابه : مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى « 2 » فعجن النطفة بتلك التربة التي يخلق منها بعد أن أسكنها الرحم أربعين ليلة ، فإذا تمّت لها أربعة أشهر ، قالوا : يا ربّ ، تخلق « 3 » ما ذا ؟ فيأمرهم بما يريد من ذكر أو أنثى أبيض أو أسود ، فإذا خرجت الروح من البدن خرجت هذه النطفة بعينها منه ، كائنا ما كان ، صغيرا أو كبيرا ، ذكرا أو أنثى ، فلذلك يغسّل الميّت غسل الجنابة . « 4 »
--> ( 1 ) - وقال أيضا : قوله عليه السّلام : خلّاقين : أي ملائكة خلّاقين ، والخلق بمعنى التقدير . ( 2 ) - طه : 55 . ( 3 ) - « نخلق » م . ( 4 ) - قال في الوافي : 3 / 43 ب 52 ( ط . حجر ) : كأنّه عليه السّلام أشار بالتربة إلى البدن المثالي الذي يرى الإنسان نفسه فيه في النوم ، وقد يعبّر عنه بالطينة أيضا ، فإنّه هو الذي خلق الإنسان بما هو إنسان منه ، وفيه يعاد في البرزخ ، ومنه يخرج عند البعث ، وهو الذي عجن به النطفة في الرحم بعد أربعين ليلة ، وهو الروح الذي يخرج من البدن العنصري الذي حصل من النطفة المعجونة به ، واطلاق التربة والطينة عليه باعتبار كونه مادّة وأصلا في خلق الإنسان بما هو إنسان ، أعني من حيث روحه . وأمّا النطفة التي خرجت مع الروح فهي عبارة عن الرطوبات التي تسيل عن البدن عند مفارقة الروح عنه لفقدان القوّة الماسكة عنه حينئذ ، وإنّما عبّر عنها بالنطفة لأنّها تخرج عنه حين توجّه الروح إلى عالم آخر وفنائه فيما يرد عليه منه بالكلّية ، بحيث لا يقدر على إمساكها كما أن المني يخرج عنه حين إقباله على ما يشتهيه وفنائه فيه بالكلّية بحيث لا يقدر على إمساكه ، لنقصان حياته حينئذ ، وإنما جعلت بعينها النطفة الأولى لأنّ مادّتها كمادّة سائر أجزاء البدن هي بعينها مادّة النطفة الأولى تواردت عليها الصور واحدة بعد أخرى إلى أن يفارق عنها الروح . فإن قيل : فالغسل ينبغي أن يرد على الروح دون هذا البدن الذي هو بمنزلة النطفة الخارجة عنه . قلنا : لمّا كان الروح ممّا لا ينال إليه الأيدي ، وهذا البدن على هيئته ، وكان له نوع اتحاد معه يفعل به ما ينبغي أن يفعل مع الروح من الاستقبال والتغسيل والتكفين والدفن وغير ذلك ، فإنّ الظاهر عنوان الباطن .