الشيخ عبد الله البحراني

156

العوالم ، الإمام محمد الباقر ( ع )

فلمّا فشا ذلك في الشيعة وكثر وطال ، اشتكت الشيعة إلى زين العابدين عليه السّلام وقالوا : يا ابن رسول اللّه أجلونا عن البلدان ، وأفنونا بالقتل الذريع ، وقد أعلنوا لعن أمير المؤمنين عليه السّلام في البلدان ، وفي مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وعلى منبره ، ولا ينكر عليهم منكر ، ولا يغيّر عليهم مغيّر ، فإن أنكر واحد منّا على لعنه ، قالوا : هذا ترابيّ ، ورفع ذلك إلى سلطانهم ، وكتب إليه : إنّ هذا ذكر أبا تراب بخير ، حتى ضرب وحبس ثمّ قتل . فلمّا سمع ذلك عليه السّلام نظر إلى السماء ، وقال : سبحانك ما أعظم شأنك ! إنّك أمهلت عبادك حتى ظنّوا أنّك أهملتهم ، وهذا كلّه بعينك « 1 » إذ لا يغلب قضاؤك ، ولا يردّ تدبير محتوم أمرك ، فهو كيف شئت ، وأنّى شئت ، لما أنت أعلم به منّا . ثمّ دعا بابنه محمد بن علي الباقر عليه السّلام فقال : يا محمد ! قال : لبّيك . قال : إذا كان غدا ، فاغد إلى مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وخذ الخيط الذي نزل به جبرئيل عليه السّلام على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فحرّكه تحريكا ليّنا ، ولا تحرّكه تحريكا شديدا ، فتهلك الناس « 2 » جميعا . قال جابر رضي اللّه عنه : فبقيت متعجّبا من قوله ، لا أدري ما أقول . فلمّا كان من الغد جئته ، وكان قد طال عليّ ليلي حرصا لأنظر ما يكون من أمر الخيط ، فبينما أنا بالباب إذ خرج عليه السّلام فسلّمت عليه ، فردّ السّلام ، وقال : ما غدا بك يا جابر ، ولم تكن تأتينا في هذا الوقت ؟ فقلت له : لقول الإمام عليه السّلام بالأمس : خذ الخيط الذي نزل به جبرئيل عليه السّلام وصر إلى مسجد جدّك صلّى اللّه عليه وآله وحرّكه تحريكا ليّنا ولا تحرّكه تحريكا شديدا ، فتهلك الناس جميعا . قال الباقر عليه السّلام : واللّه لولا الوقت المعلوم ، والأجل المحتوم ، والقدر المقدور ، لخسف بهذا الخلق المنكوس في طرفة عين ، بل في لحظة ، ولكنّا عباد مكرمون ، لا نسبقه بالقول وبأمره نعمل « 3 » يا جابر .

--> ( 1 ) - « قوله : بعينك : أي بعلمك » منه ره . ( 2 ) - « فيهلكوا » ع ، ب . ( 3 ) - إشارة إلى قوله تعالى في سورة الأنبياء : 26 و 27 .