الشيخ عبد الله البحراني
639
العوالم ، السيدة الزهراء ( س )
--> ظاهر القرآن أولى بالحقّ ممّا خالفه . فإن قالوا : هذا لا يصحّ ، وذلك لأنّ كلّ شيء تركه الخلق بأجمعهم صدقة ، وكان من صدقاتهم لم يورّث ولم يصحّ ميراثه ، فلا يكون حينئذ لتخصيص الأنبياء عليهم السّلام بذكره فائدة معقولة . قيل لهم : ليس الأمر كما ذكرتم ، وذلك أنّ الشيء قد يعمّ بتخصيص البعض للتحقيق بأنّهم أولى الناس بالعمل بمعناه ، وألزم الخلق له ، وإن كان دينا لمن سواهم من المكلّفين ، قال اللّه عزّ وجلّ : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [ النازعات : 45 ] وإن كان منذرا لجميع العقلاء . وقال : إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ [ التوبة : 18 ] وإن كان قد يعمرها الكفّار ومن هو بخلاف هذه الصفة . وقال : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [ الأنفال : 2 ] وإن كان في الكفّار من إذا ذكر اللّه وجل قلبه وخاف ، وفي المؤمنين من يسمع ذكر اللّه وهو مسرور بنعم اللّه ، أو مشغول بضرب من المباح ، فلا يلحقه في الحال وجل ولا يعتريه خوف ، وهذا محسوس معروف بالعادات ؛ وهو كقول القائل : نحن معاشر المسلمين لا نقرّ على منكر ، وإن كان أهل الملل من غيرهم لا يقرّون على ما يرونه من المنكرات ، وفي المسلمين من يقرّ على منكر يعتقد صوابه بالشبهات . وكقول فقيه من الفقهاء : نحن معاشر الفقهاء لا نرى قبول شهادة الفاسقين ، وقد ترى ذلك جماعة ممّن ليس من الفقهاء . وكقول القائل : نحن معاشر القرّاء لا نستجيز خيانة الظالمين ، وقد يدخل معهم من يحرم ذلك من غير القرّاء من العدول والفاسقين ، وأمثال هذا في القول المعتاد كثير ، وإنّما المعنى في التخصيص به التحقيق بمعناه ، والتقدّم فيه ، وأنّهم قدوة لمن سواهم ، وأئمّتهم في العمل نحو ما ذكرناه . ووجه آخر : وهو أنّه يحتمل أن يكون قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم - إن صحّ عنه - أنّه قال : « نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة لا يورّث » أي لا يستحقّه أحد من أولادنا وأقربائنا وإن صاروا إلى حال الفقراء الّتي من صار إليها من غيرهم حلّت لهم صدقات أهليهم ، لأنّ اللّه تعالى حرّم الصدقة على أولاد الأنبياء وأقاربهم تعظيما لهم ورفعا لأقدارهم عن الأدناس ، وليس ذلك في من سواهم من الناس ؛ لأنّ غير الأنبياء عليهم السّلام إذا تركوا صدقات ووقوفا ووصايا للفقراء من سائر الناس فصار أولادهم وأقاربهم من بعدهم إلى حال الفقر كان لهم فيها حقوق أوكد من حقوق غيرهم من الأباعد . فمنع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ذرّيّته وأهل بيته من نيل ما تركه من صدقاته وإن افتقروا وخرجوا من حال الغنى ، وكان المعنى في قوله : « لا نورّث » أي لا يصير من بعدنا إلى ورثتنا على حال ، وهذا معروف في انتقال الأشياء من الأموات إلى الأحياء ، والوصف له بأنّه ميراث وإن لم يوجد من جهة الإرث ، قال اللّه عزّ وجلّ : وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ [ الأحزاب : 27 ] . فصل : وقد تعلّق بعضهم بلفظ آخر في هذا الخبر ، فقال :