الشيخ عبد الله البحراني

9

العوالم ، الإمام علي بن أبي طالب ( ع )

حقّا كان يوما خالدا ، ووقفة خالدة ، وكلمة باقية أطلقها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وما انفكّت حروفها ساطعة تتلألأ في بطون الكتب : « من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه ، وأدر الحقّ معه حيثما دار » . وذلك بعد ما حجّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حجّته الأخيرة المعروفة « بحجّة الوداع » وقد حجّ معه أكثر من مائة وعشرين ألفا ، فلمّا قضى مناسكه وانصرف راجعا إلى المدينة ، ووصل إلى غدير خمّ من الجحفة ، وذلك يوم الثامن عشر من ذي الحجّة ، نزل إليه الأمين جبرئيل عن اللّه بقوله : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وأمره أن يقيم عليّا علما للناس ، ويبلّغهم ما نزل فيه من الولاية ، وكان ذلك اليوم هاجرا يضع الرجل بعض ردائه على رأسه وبعضه تحت قدميه من شدّة الرمضاء ، فظلّل لرسول اللّه بثوب على شجرة سمرة من الشمس ، وجمعت له أقتاب الإبل ، فاعتلاها صلّى اللّه عليه وآله وعليّ عليه السلام معه ، وألقى في تلك الجموع المحتشدة خطابا بليغا : ذكّرهم فيه بلقاء اللّه ، وأنّ الجنّة حقّ ، وأنّ النار حقّ ، وأنّ البعث بعد الموت حقّ . ثمّ قال : . . . إنّي أشهد أنّ اللّه مولاي وأنا مولى كلّ مسلم ، وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فهل تقرّون بذلك ؛ وتشهدون لي به ؟ فقالوا : نشهد لك بذلك . فقال : « ألا من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه . . . » وهو هذا . ثمّ أخذ بيد عليّ عليه السلام فرفعها حتّى بدت آباطهما . « 1 » وحريّ بالإشارة هنا إلى أنّ المتعمّق والمتتبّع لدراسة مواضيع القرآن الكريم ، يجد ذكرا لثلاثة أيّام أو وقائع تنحصر بين يوم ( بدء ) خلق اللّه تعالى السماوات والأرضين وما بينهما وما بثّ فيهما من دابّة في ستّة أيّام ، وبين يوم يجمع اللّه فيه الأوّلين والآخرين يوم القيامة ؛ وإنّما نحدّدها « ثلاثة » لما حدث فيها من وقائع وأحداث تاريخيّة جسام ، ولما ترتّب عليها من آثار هزّت الأفكار والعقائد ، باتّخاذها طابع الانصياع والانقياد

--> ( 1 ) انظر خطبته صلّى اللّه عليه وآله يوم الغدير وأخذه البيعة لعلي عليه السلام ح 255 .