العلامة المجلسي
193
بحار الأنوار
ثم قال : أما بعد فان الله جل ثناؤه ، وتقدست أسماؤه ، خلق خلقه فألزمهم عبادته وكلفهم طاعته ، وقسم بينهم معايشهم ، ووضعهم في الدنيا بحيث وضعهم ، وهو في ذلك غني عنهم ، لا تنفعه طاعة من أطاعه ، ولا تضره معصية من عصاه منهم ، لكنه علم تعالى قصورهم عما تصلح عليه شؤونهم ، وتستقيم به دهماؤهم في عاجلهم وآجلهم ، فارتبطهم باذنه في أمره ونهيه ، فأمرهم تخييرا ، وكلفهم يسيرا ، وأثابهم كثيرا وأماز سبحانه بعدل حكمه وحكمته ، بين الموجف من أنامه إلى مرضاته ومحبته ، وبين المبطئ عنها والمستظهر على نعمته منهم بمعصيته . فذلك قول الله عز وجل " أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ( 1 ) . ثم وضع أمير المؤمنين صلوات الله عليه يده على منكب همام بن عبادة فقال : ألا من سأل عن شيعة أهل البيت ، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم في كتابه مع نبيه تطهيرا ، فهم العارفون بالله ، العاملون بأمر الله ، أهل الفضائل والفواضل منطقهم الصواب ، وملبسهم الاقتصاد ، ومشيهم التواضع ، بخعوا لله تعالى بطاعته ، وخضعوا له بعبادته ، فمضوا غاضين أبصارهم عما حرم الله عليهم ، واقفين أسماعهم على العلم بدينهم ، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت منهم في الرخاء رضى عن الله بالقضاء ، فلولا الآجال التي كتب الله لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين ، شوقا إلى لقاء الله والثواب ، وخوفا من العقاب . عظم الخالق في أنفسهم ، وصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنة كمن رآها فهم على أرائكها متكئون ، وهم والنار كمن ادخلها فهم فيها يعذبون ، قلوبهم محزونة ; وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحوائجهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة ومعونتهم في الاسلام عظيمة . صبروا أياما قليلة فأعقبتهم راحة طويلة ، وتجارة مربحة يسرها لهم رب كريم ، أناس أكياس ، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها ، وطلبتهم
--> ( 1 ) الجاثية : 21 .