أحمد بن محمد بن علي العاصمي

16

العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى

--> والآخرة » . فالنبوّة خرجت من عموم المنزلة بالاستثناء ، وما لم تكن من صفات الكمال ، وما كان من الأمور التكوينيّة كانا من الأصل والبداية خارجان من مدلول المنازل الكريمة الموهوبة ، وغيرها من المعالي بقي في عموم المنزلة لم يخرجها شيء ، ومن المنازل الباقية تحت العموم عصمته عليه السّلام ، ومنه أفضليّته على جميع الأمّة ، ومنها أعلميّته ، ومنها فرض طاعته ووجوب اتّباعه وحرمة مخالفته والتخلّف عنه . وفي نهاية الوهن ما ذكره المصنّف بعده من قوله : « لأنّه لو أراد [ النبي من قوله هذا الخلافة ] بعد موته لقال : « بمنزلة يوشع بن نون » لأنه كان خليفة موسى على قومه بعد موته » . وإنّما قلنا إنّ قول المصنّف هذا في غاية الوهن ، لأنّ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم أراد من هذا الكلام التشبيه التامّ والموهبة الكاملة والتكرمة السابغة لعليّ عليه السّلام ، وإنّ هذه الموهبة تخصّ عليا ما دام هو حيّ وبعد وفاته تكون لأولاده وراثة عنه . وممّا يدلّ على ذلك ما رواه المحبّ الطبري وغيره من أنّه لمّا ولد الحسن عليه السّلام انتظر النبيّ وأهل بيته عليهم السّلام أمر اللّه تبارك وتعالى في تسمية المولود المسعود وهو الإمام الحسن عليه السّلام ، فنزل جبرئيل وقال : سمّه باسم ولد هارون ، لأنّ عليّا منك بمنزلة هارون من موسى ، وولده بمنزلة ولد هارون . . . فمن ذلك اليوم جعل اللّه تعالى لعليّ وذريّته منزلة هارون وولده في الخلافة والوصاية ، فلو قال اللّه تبارك وتعالى أو نبيّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم لعلي : « أنت منّي بمنزلة يوشع من موسى » لم يكن الكلام وافيا لتمام مقصود اللّه تعالى ورسوله ، لأنّ وصاية يوشع وخلافته كانت محدودة به ، ولم تكن لولده حظّ فيها ، وأنّ خلافته إنّما ممتدّة إلى زمان إدراك ولد هارون ، وبعده لا خلافة ليوشع بل تكون الخلافة والزعامة لولد هارون ، ويجب على يوشع أن يسلّم إليهم زمام الأمر ويعهد إليهم من اللّه ورسوله موسى عليه السّلام أنّ الخلافة مستمرّة فيهم وفي أحفادهم بدوام شريعة موسى عليه السّلام ، وأنّه بعد إدراكهم لا حظّ ليوشع ولا لبنيه في الخلافة والزعامة . فقد تحقّق أنّ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم لو كان يقول لعليّ : « أنت منّي بمنزلة يوشع من موسى » لم يكن كلامه وافيا لمقصوده وكان ناقضا لغرضه ، والنبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم