أحمد بن محمد بن علي العاصمي
501
العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى
بكرمه وأسبغ عليهم فنون نعمه ، وقد قيل : « إنّ غاية الكرم هي العفو بعد القدرة » . وذكر في الحديث أنّ النبي عليه السّلام كان يعظ النّاس ذات يوم ويذكّرهم القيامة وأهوالها والمحاسبة وأثقالها ، فقام أعرابي وقال : من يلي ذلك يا رسول اللّه ؟ فقال عليه السّلام مجيبا له : اللّه عزّ وجلّ . فقال الأعرابي : اللّه أكبر ، إنّ الكريم إذا قدر عفا . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : خذوها من غير فقيه . ثمّ إنّ يوسف الصديق صلوات اللّه عليه لم يكتف بالعفو من نفسه دون أن يشفع لهم إلى مولاه جلّ جلاله فقال : يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ [ 92 / يوسف : 12 ] وكذلك قال لأبيه وخالته وإخوته : وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي [ 100 / يوسف : 12 ] . فذكر السجن وكان الّذي استقبله من حديث الجبّ وما قبله أصعب من حديث السجن فلم يذكرها ، لأنّه كان قد قال : لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ فلو ذكر ذلك لكان فيه طرف من التثريب ، وقد قيل : « ذكر الخفاء جفاء » فانظر إلى كرم يوسف الصدّيق . وكذلك المرتضى رضوان اللّه عليه لمّا قدر على طلحة وعائشة / 443 / كيف عفى عنهم « 1 » وكذلك أوصى إلى ابنه الحسن في شأن قاتله « 2 » . ومن ذلك قوله رضى اللّه عنه فيما يؤثر عنه : « ما بقي لي من النعيم إلّا الإفضال على الإخوان » . وكيف لا يكون كذلك ، وإنّه كان من عنصر الرسول عليه السّلام وأطهر الأصول ،
--> ( 1 ) أمّا العفو عن طلحة والزبير ، مع إصرارهما على الإثم والعدوان بقوّة وشوكة ، فلا يصحّ ، وكيف يمكن لأمير المؤمنين عليه السّلام أن يعفو عنهما وهما سنّا البغي والخروج على إمام عادل بايعاه وبايعه المهاجرون والأنصار بالطوع والرغبة ، والرجلان لن يندما على ما فعلا ولن يتوبا حتّى حين أحسّا بالهلاك ، مع أنّ فرعون حين أحسّ بالهلاك ، أظهر الإيمان وقال : آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ [ 90 / يونس : 10 ] . ( 2 ) وصيّته عليه السّلام بالإرفاق بقاتله من باب قطع المعذرة كإمهال اللّه تعالى للمتمرّدين .