جلال الدين السيوطي
24
العرف الوردي في أخبار المهدي
خاصّة بالمهدي ليست إلّا من وضع الباطنية والشيعة وأضرابهم وأنّها لا تصحّ نسبتها إلى الرسول صلّى اللّه عليه وآله » « 1 » .
--> ( 1 ) . هذه هي الشبهة الثانية التي أشار لها المصنّف ، وهي تضعيف أحاديث المهدي بدعوى أنّها من وضع الشيعة . والجواب عن ذلك : أولا : أنّ هذه الدعوى ، غير صحيحة ، إذ لم نر أحدا من الأئمة والحفّاظ ذكر أو احتمل ذلك ، وليته - وهو يقول : الكثير من العلماء الثقات - ذكر لنا واحدا منهم ! وثانيا : أنّ المخرّجين لها هم من أئمة أهل السنّة وحفّاظها ، وقد نصّوا على صحّتها وبلوغها حدّ التواتر من طرقهم ، وليس من طرق الشيعة . ورواها الأئمة والحفّاظ بطرقهم المعتبرة عندهم عن أكثر من عشرين صحابيا ، بل اعترف غير واحد منهم بشهرتها بين أهل الإسلام في كلّ العصور . قال العلّامة المباركفوري في تحفة الأحوذي 6 : 401 ، والعظيمآبادي في عون المعبود 11 : 243 : « اعلم أنّ المشهور بين الكافّة من أهل الاسلام على مرّ الأعصار أنّه لا بدّ في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيّد الدين . . . . . ويسمّى المهدي . . . وخرّج أحاديث المهدي جماعة من الأئمة ، منهم : أبو داود والترمذي وابن ماجة والبزّاز والحاكم والطبراني وأبو يعلى وأسندوها إلى جماعة من الصحابة . . . » وهذا كلّه يدلّ على شهرة أحاديث المهدي في كلّ الأعصار وبين كلّ الحفّاظ ، فكيف يخفى عليهم جميعا وضع هذه الأحاديث وهي بهذه الكثرة البالغة حدّ التواتر ؟ مع أنّ الحفّاظ لم يكونوا في غفلة عن الوضّاعين ، وعن عملية الوضع في الحديث ، والدليل : كثرة المصنّفات في الأحاديث الموضوعة ، والتنصيص عليها في الشروح والمصنّفات الفقهية والحديثية . ومع كلّ هذا نراهم يصفون أحاديث المهدي بالصحّة ، والتواتر ، والشهرة ، والاستفاضة ، وأفردوها بالتصنيف ، وجعلوا لها أبوابا في مصنّفاتهم مع مزيد من الاهتمام ، وأنّهم يصفون ما يعارضها بأنّه موضوع مكذوب . وسيأتي مزيد كلام عن ذلك من المصنّف . وثالثا : أنّه لو كانت بعض أسانيد أحاديث المهدي تشتمل على رواة من الشيعة ، فذلك لا يقدح بصحّتها وقبولها والاحتجاج بها ، لأنّ العبرة عندهم في قبول الأخبار على صدق الراوي وضبطه ، وأمّا الاختلاف في المذاهب والعقائد فلم يشترطه أحد . قال ناصر الدين الألباني : « على أنّه لو صحّت هذه الدعوى لم يقدح ذلك في صحّة الأحاديث ، لأنّ العبرة في الصحّة إنّما هو الصدق والضبط ، وأمّا الخلاف المذهبي فلا يشترط في ذلك كما هو مقرّر في مصطلح الحديث ، ولهذا روى الشيخان في صحيحهما لكثير من الشيعة وغيرهم من الفرق » ( مجلّة التمدّن الإسلامي الجزء : 27 و 28 ) . -