العلامة المجلسي
80
بحار الأنوار
عليين أو من طينة سجين ، فلما علم ذلك أعطى أبدان الأرواح التي علم أنهم يختارون الايمان [ باختيارها ] كيفية عليين لمناسبة ، وأعطى أبدان الأرواح التي علم أنها تختار الكفر باختيارها كيفية السجين ، من غير أن يكون للامرين مدخل في اختيارهم الايمان والكفر ، وخلط ما بين الطينتين من غير أن يكون لذلك الخلط مدخل في اختيار الحسنة والسيئة . وقال بعض أرباب التأويل من المحققين ( 1 ) : المراد بعلين أشرف المراتب وأقربها من الله تعالى وله درجات كما يدل عليه ما ورد في بعض الأخبار من قولهم : أعلى عليين ، وكما وقع التنبيه في هذا الخبر بنسبة خلق القلوب والأبدان كليهما إليه ، مع اختلافهما في الرتبة . فيشبه أن يراد بهما عالم الجبروت والملكوت ، جميعا اللذين هما فوق عالم الملك أي عالم العقل والنفس وخلق قلوب النبيين من الجبروت معلوم لأنهم المقربون ، وأما خلق أبدانهم من الملكوت ، فذلك لان أبدانهم الحقيقة هي التي في باطن هذه الجلود المدبرة لهذه الأبدان ، وإنما أبدانهم العنصرية أبدان أبدانهم ، لا علاقة لهم بها ، فكأنهم وهم في جلابيب من هذه الأبدان ، قد نفضوها وتجردوا منها لعدم ركونهم إليها ، وشدة شوقهم إلى النشأة الأخرى ، ولهذا نعموا بالوصول إلى الآخرة ومفارقة هذه الأدنى ، ومن هنا ورد في الحديث : " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ( 2 ) .
--> ( 1 ) يريد به الفيلسوف المشهور ملا صدرا الشيرازي . ( 2 ) قال العلامة الطباطبائي مد ظله في بعض كلامه : الاخبار مستفيضة في أن الله تعالى خلق السعداء من طينة عليين وخلق الأشقياء من طينة سجين - من النار - وكل يرجع إلى حكم طينته من السعادة والشقاء ، وقد أورد عليها أولا بمخالفة الكتاب وثانيا باستلزام الجبر الباطل . أما البحث الأول فقد قال الله تعالى : " هو الذي خلقكم من طين " وقال : " بدأ خلق الانسان من طين " فأفاد أن الانسان مخلوق من طين ، ثم قال تعالى : " ولكل وجهة هو موليها " الآية . وقال : " ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم الا في كتاب من قبل أن نبرأها " الآية : فأفاد أن للانسان غاية ونهاية من السعادة والشقاء ، وهو متوجه إليها ، سائر نحوها وقال تعالى : كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة " الآية . فأفاد أن ما ينتهى إليه أمر الانسان من السعادة والشقاء هو ما كان عليه في بدء خلقه طينا ، فهذه الطينة طينة سعادة وطينة شقاء ، وآخر السعيد إلى الجنة ، وآخر الشقي إلى النار ، فهما أولهما لكون الاخر هو الأول ، وحينئذ صح أن السعداء خلقوا من طينة الجنة ، والأشقياء خلقوا من طينة النار . وقال تعالى : " كلا ان كتاب الأبرار لفى عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون كلا ان كتاب الفجار لفى سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين " الآيات وهي تشعر بأن عليين وسجين هما ما ينتهى إليه أمر الأبرار والفجار من النعمة والعذاب فافهم . واما البحث الثاني وهو ان اخبار الطينة تستلزم أن تكون السعادة والشقاء لازمين حتميين للانسان ، ومعه لا يكون أحدهما اختياريا كسبيا للانسان وهو الجبر الباطل . فالجواب عنه أن اقتضاء الطينة للسعادة أو الشقاء ليس من قبل نفسها بل من قبل حكمه تعالى وقضائه ما قضى من سعادة وشقاء ، فيرجع الاشكال إلى سبق قضاء السعادة الشقاء في حق الانسان قبل أن يخلق ، وأن ذلك يستلزم الجبر ، والجواب أن القضاء متعلق بصدور الفعل عن اختيار العبد ، فهو فعل اختياري في عين أنه حتمي الوقوع ، ولم يتعلق بالفعل سواء اختاره العبد أو لم يختره حتى يلزم منه بطلان الاختيار .