العلامة المجلسي

352

بحار الأنوار

تنكبوا الطرق ، واتخذوا الماء طيبا وطهورا ، أنفسهم متعوبة ، وأبدانهم مكدودة والناس منهم في راحة . فهم عند الناس شرار الخلق ، وعند الله خيار الخلق ، إن حدثوا لم يصدقوا وإن خطبوا لم يزوجوا ، وإن شهدوا لم يعرفوا ، وإن غابوا لم يفقدوا ، قلوبهم خائفة وجلة من الله ، ألسنتهم مسجونة ، وصدورهم وعاء لسر الله ، إن وجدوا له أهلا نبذوه إليه نبذا ، وإن لم يجدوا له أهلا وألقوا على ألسنتهم أقفالا غيبوا مفاتيحها ، وجعلوا على أفواههم أوكية ، صلب صلاب أصلب من الجبال لا ينحت منهم شئ ، خزان العلم ومعدن الحكمة ، وتباع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، أكياس يحسبهم المنافق خرسا عميا بلها وما بالقوم من خرس ولا عمى ولا بله . إنهم لأكياس فصحاء ، علماء حلماء ، حكماء أتقياء ، بررة ، صفوة الله أسكتهم الخشية لله ، وأعيتهم ألسنتهم خوفا من الله ، وكتمانا لسره ، وأشوقاه إلى مجالستهم ومحادثتهم ، يا كرباه لفقدهم ، ويا كشف كرباه لمجالستهم ، اطلبوهم فان وجدتموهم واقتبستم من نورهم اهتديتم وفزتم بهم في الدنيا والآخرة . هم أعز في الناس من الكبريت الأحمر ، حليتهم طول السكوت ، وكتمان السر والصلاة والزكاة والحج والصوم ، والمواساة للاخوان في حال اليسر والعسر فذلك حليتهم ومحبتهم ، يا طوبى لهم وحسن مآب ، وهم وارثو الفردوس ، خالدين فيها ، ومثلهم في أهل الجنان مثل الفردوس في الجنان ، وهم المطلوبون في النار المحبورون في الجنان ، فذلك قول أهل النار " ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار " ( 1 ) فم أشرار الخلق عندهم ، فيرفع الله منازلهم حتى يرونهم ، فيكون ذلك حسرة لهم في النار فيقولون " يا ليتنا نرد " ( 2 ) فنكون مثلهم فلقد كانوا هم الأخيار ، وكنا نحن الأشرار ، فذلك حسرة لأهل النار . بيان : " إنكار الأرض والسماء " أن يشاهدوا فيهما آثارا غريبة لم يروا فيهما

--> ( 1 ) ص : 62 . ( 2 ) الانعام : 27 .