العلامة المجلسي
346
بحار الأنوار
فضيلة التقوى وذم خلافها وبيان سبب حصول بني آدم في الدنيا واحتياجهم إلى المعايش واختلافهم في المنازل الدينية والمراتب الدنيوية وحصول الشهوات فيهم ، وترقيهم في الكمالات لذلك . فتهبوا أي نفضوا أيديهم عن الدنيا وتفرغوا للآخرة ، في النهاية يقال جاء يتهبى إذا جاء فارغا ينفض يديه . ويحتمل أن يكون من هب فقلب الثاني ( 1 ) أي انتبهوا من نوم الغفلة ، وأسرعوا في الطاعة أو بليت أبدانهم فكثرة العبادة في القاموس : الهب الانتباه من النوم ، ونشاط كل سائر ، وسرعته ، وتهبب الثوب بلي ، وفي بعض النسخ " فبهتوا " أي تحيروا في ملاحظة عظمة الله سبحانه أو يحسبهم الناس كذلك كما سيأتي . " ووضع ما دونه " على بناء المفعول أي ذل وحط قدره ، أو على بناء المعلوم ككرم يقال في حسبه ضعة أي انحطاط ولؤم وخسة ، وقد وضع ككرم ووضعه غيره كذا في القاموس وفي بعض النسخ وصغر " ومؤنتهم من الدنيا عظيمة " المؤنة الثقل ، والقوت ، والتعب ، والشدة . قال الجوهري ( 2 ) المؤنة يهمز ولا يهمز ، وهي فعولة وقال الفراء هي مفعلة من الأين وهو التعب والشدة ويقال هو مفعلة من الجون وهو الخرج والعدل ، لأنه ثقل على الانسان ، قال الخليل : ولو كان مفعلة لكان مئينة ، مثل معيشة ، وعند الأخفش يجوز أن تكون مفعلة انتهى . وأقول : تحتمل هذه الفقرة وجوها : الأول أن يكون المعنى أن تعبهم ومشقتهم بسبب ترك الدنيا ، ومجاهدة النفس في الاعراض عنها عظيمة . الثاني أن يكون المعنى أن الرزق مضيق عليهم ، لاعراضهم عن الحرام والشبهة ، ومكسب الحلال قليل ، مع أن أولياء الله غالبا مبتلون بالفقر ، فالعظيمة
--> ( 1 ) فان القياس كان أن يقال : فتهببوا . ( 2 ) الصحاح : 2198 .