العلامة المجلسي

248

بحار الأنوار

ولا يبغضك إلا منافق ، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله قال : إن البلوى أسرع إلى المؤمن من الماء إلى الحدور ، هاتان المقدمتان يلزمهما نتيجة صادقة ، هي أنه عليه السلام لو أحبه جبل لتهافت ، ولعل هذا هو مراد الرضي - رضي الله عنه - بقوله : معنى آخر ليس هذا موضع ذكره انتهى ، وفيه تأمل . وقال ابن ميثم ( 1 ) : الجلباب مستعار لتوطين النفس على الفقر والصبر عليه ووجه الاستعارة كونهما ساترين للمستعد بهما من عوارض الفقر ، وظهوره في سوء الخلق ، وضيق الصدر ، والتحير الذي ربما أدى إلى الكفر ، كما يستر بالملحفة ولما كانت محبتهم عليهم السلام بصدق يستلزم متابعتهم ، والاستشعار بشعارهم ، ومن شعارهم الفقر ، ورفض الدنيا والصبر على ذلك ، وجب أن يكون كل محب مستشعرا للفقر ومستعدا له جلبابا من توطين النفس عليه والصبر . وقد ذكر ابن قتيبة هذا المعنى بعبارة أخرى ، فقال : من أحبنا فليقتصر على التقلل من الدنيا ، والتقنع فيها ، قال : وشبه الصبر على الفقر بالجلباب لأنه يستر الفقر ، كما يستر الجلباب البدن ، قال : ويشهد بصحة هذا التأويل ، ما روي أنه رأى قوما على بابه ، فقال : يا قنبر من هؤلاء ؟ فقال : شيعتك يا أمير المؤمنين فقال : مالي لا أرى فيهم سيماء الشيعة ؟ قال : وما سيماء الشيعة ؟ قال : خمص البطون من الطوى ، يبس الشفاه من الظماء ، عمش العيون من البكاء . وقال أبو عبيد : إنه لم يرد الفقر في الدنيا ، ألا ترى أن فيمن يحبهم مثل ما في سائر الناس من الغنى ؟ وإنما أراد الفقر يوم القيامة ، وأخرج الكلام مخرج الوعظ والنصيحة ، والحث على الطاعات ، فكأنه أراد من أحبنا فليعد لفقره يوم القيامة ما يحسره من الثواب ، والتقرب إلى الله تعالى والزلفة عنده . قال : وقال السيد المرتضى ره : والوجهان جميعا حسنان ، وإن كان قول ابن قتيبة أحسن ، فذلك معنى قول السيد رضي الله عنه ، وقد تؤول ذلك على معنى آخر ، انتهى كلام ابن ميثم .

--> ( 1 ) شرح النهج لابن ميثم البحراني ص 594