العلامة المجلسي

158

بحار الأنوار

وأقول : مثله كثير في القرآن والغرض رفع ما يسبق إلى الأوهام العامية أن الكثرة دليل الحقية ، والقلة دليل البطلان ، ولذا يميل أكثر الناس إلى السواد الأعظم ، مع أن في أعصار جميع الأنبياء كان أعداؤهم أضعاف أضعاف أتباعهم وأولياءهم ، وقد الكثير مدح القليل ، الرب الجليل في التنزيل ، والله يهدي إلى سواء السبيل . 1 - نهج البلاغة : قال أمير المؤمنين عليه السلام : أيها الناس ! لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله ، فإن الناس اجتمعوا على مائدة شبعها قصير ، وجوعها طويل ( 1 ) . بيان : لما كانت العادة جارية بأن يستوحش الناس من الوحدة ، وقلة الرفيق في الطريق ، لا سيما إذا كان طويلا صعبا غير مأنوس ، فنهى عن الاستيحاش في تلك الطريق ، وكنى به عما عساه يعرض لبعضهم من الوسوسة ، بأنهم ليسوا على الحق لقلتهم ، وكثرة مخالفيهم ، كما أشرنا إليه . وأيضا قلة العدد في الطرق الحسية مظنة الهلاك ، والسلامة مع الكثرة فنبههم عليه السلام على أنهم في طريق الهدى والسلامة ، وإن كانوا قليلين ، ولا يجوز مقايسة طرق الآخرة بطرق الدنيا . ثم نبه على علة قلة أهل طريق أهل الهدى ، وهي اجتماع الناس على الدنيا فقال : " فان الناس " واستعار للدنيا المائدة ، لكونهما مجتمع اللذات ، وكنى عن قصر مدتها بقصر شبعها ، وعن استعقاب الانهماك فيها للعذاب الطويل في الآخرة بطول جوعها . قيل : ولفظ الجوع مستعار للحاجة الطويلة بعد الموت إلى المطاعم الحقيقية الباقية من الكمالات النفسانية ، وهو بسبب الغفلة في الدنيا ، فلذلك نسب الجوع إليها . 2 - صفات الشيعة للصدوق : باسناده عن المفضل بن قيس ، عن أبي عبد الله

--> ( 1 ) نهج البلاغة : 442 ، الخطبة 199 .