السيد محسن الأمين
429
أعيان الشيعة
وقوله : كف الندى أضحت بغير بنان * وقناته أمست بغير سنان وقوله : أراك أكبرت إدماني على الدمن * وحملي الشوق من باد ومكتمن وقوله : حتام دمعك مسفوح على الدمن * بانوا وشوقك لم يظعن ولم يبن وقوله : إحدى بني بكر بن عبد مناه * بين الكثيب الفرد فالأمواه مطالعه الغير المستحسنة قدك اتئب أربيت في الغلواء * كم تعذلون وأنتم سجرائي وقوله : هن عوادي يوسف وصواحبه * فعزما فقد ما أدرك السؤل طالبه وسيأتي أن أبا العميثل وأبا سعيد الضرير لما سمعا هذا الابتداء أسقطا القصيدة فلما سمعا باقيها استحسناه . وفي معاهد التنصيص أنه لما أنشد أول القصيدة أنكر عليه أبو العميثل وقال له لم لا تقول ما يفهم فقال له لم لا تفهم ما يقال ؟ فاستحسن منه هذا الجواب على البديهة . وقوله قد نابت الجزع من أروية النوب * واستحقبت جدة من دارها الحقب وقوله : صرف النوى ليس بالمكيث * ينبث ما ليس بالنبيث وقوله كشف الغطاء فأوقدي أو أخمدي * لم تكمدي فظننت أن لم تكمدي وقوله : أرض مصردة وأخرى تثجم * تلك التي رزقت وأخرى تحرم وقوله : أزعمت أن الربع ليس يتيم * والدمع في دمن عفت لا يسجم وقوله وهو من المطالع التي استهجنها المتنبي : خشنت عليه أخت بني خشين * وأنجح فيك قول العاذلين وقوله : تقي جمحاتي لست طوع مؤنبي * وليس جنيبي إن عذلت بمصحبي وقوله هن البجاري يا بجير * أهدى لها الأبؤس الغوير وقوله : أقرم بكر تباهي أيها الخفض * ونجمها أي هذا الهالك الجرض ( الخفض ) الجمل الضعيف ( والجرض ) الغصص . ومن شروط حسن المطلع أن لا يكون متعلقا بما بعده من الأبيات ، ولذلك جعل من المطالع الغير المستحسنة قول أبي تمام . أما إنه لولا الخليط المودع * وربع عفا منه مصيف ومربع لتعلقه بالبيت الذي بعده وهو قوله : لردت على أعقابها أريحية * من الشوق واديها من الدمع مترع وقوله أيضا : لو أن دهرا رد رجع جواب * أو كف من شأويه طول عتاب لتعلقه بما بعده أيضا وهو قوله : لعذلته في دمنتين بامرة * ممحوتين لزينب ورباب 2 - الجناس وهو تشابه الكلمتين في اللفظ مشتق من الجنس ، وهو من أنواع البديع ومن محسنات الكلام ، لأن تجانس الأشياء وتشابهها يحدث في النفس ميلا إليها ، ولكنه قد يكون متكلفا مستهجنا ، فيورث الكلام قبحا ، وهو على أنواع . وقد أكثر أبو تمام في شعره من التجنيس إكثارا مفرطا ، حتى أنك لا تكاد تجد قصيدة لا يكون في كثير من أبياتها جناس . واستقصاء ذلك يطول به الكلام ، لكننا نذكر طرفا مقنعا منه ، وبسبب إكثاره من الجناس وتعمده له وقع له بعض الجناسات المستقبحة - كما يأتي - وقد جرت العادة بمثل ذلك لكل من تعمد أنواع البديع وتكلفها ولم يقتصر على ما يجئ عفو الطبع . ونذكر لك مثالا واحدا من تجنيسه في قصيدة واحدة لتقيس ما بقي عليه . فهو يقول من قصيدة يمدح بها محمد بن عبد الملك الزيات : متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل * وقلبك منها مدة الدهر آهل تطل الطلول الدمع في كل موقف * وتمثل بالصبر الديار المواثل دوارس لم يجف الربيع ربوعها * ولامر في أغفالها وهو غافل فقد سحبت فيها السحائب ذيلها * وقد أخملت بالنور منها الحمائل تعفين من زاد العفاة إذا انتحى * على الحي صرف الأزمة المتحامل لهم سلف سمر العوالي وسالف * وفيهم جمال لا يغيض وجامل ليالي أضللت العزاء وخذلت * بعقلك آرام الظباء العقائل فهذه سبعة أبيات متتالية من قصيدة واحدة في كل منها تجنيس أو تجنيسان ، ويقول فيها : ولم تنظم العقد الكعاب لزينة * كما تنظم الشمل الشتيت الشمائل ويقول في الممدوح : من البيض لم تنض الأكف كنصله * ولا حملت مثلا إليه الحمائل ترى حبله عريان عن كل غدرة * إذا نصبت تحت الحبال الحبائل ويقول في وصف القصيدة : ترد قوافيها إذا هي أرسلت * هوامل مجد القوم وهي هوامل الجناس التام وهو ما تماثل ركناه لفظا واختلفا معنى ، منه قوله : ما مات من كرم الزمان فإنه * يحيا لدى يحيى بن عبد الله وقوله : فاعقل بنضو الدار نضوك يقتسم * فرط الصبابة مسعد وحزين ( النضو ) بالكسر المهزول من الإبل ويستعار للرجل النحيل وأراد بنضو الدار الثاني وبنضوك الأول ، والحزين هو نضو الدار والمسعد المخاطب بهذا الكلام ، وقوله : ترد قوافيها إذا هي أرسلت * هوامل مجد القوم وهي هوامل