هاشم معروف الحسني
63
سيرة المصطفى ( ص ) ( نظرة جديدة )
الأربعين وأشراف قريش يطمعون في الزواج منها بقصد الإفادة من ثرائها . اما محمد بن عبد اللّه ( ص ) فقد وجدت فيه حسب المعلومات التي توفرت لديها عنه ضربا آخر من الرجال لا تستغويه أمتعة الدنيا فطلبته إلى نفسها وأرسلت إليه من يشجعه على خطبتها من أبيها أو عمها كما ذكرنا من قبل ، وليس بغريب على المرأة الفاضلة كخديجة ان تطلب لنفسها محمد بن عبد اللّه وتفضله على سادة مكة واشرافها ، فلقد كان في القمة في صفاته التي لم يعرف لها العرب مثيلا في ماضيهم وحاضرهم ، واجتهد اخصامه ان يجدوا في حياته ولو نزوة تخدش تاريخه المجيد ، أو مغامرة منه لنيل جاه أو اصطياد ثروة أو انحراف مع غرائز الشباب التي تثور وتتمرد أحيانا على العقل والخلق والحكمة فلم يجدوا شيئا من ذلك ، وكان قد جمع إلى ذلك من صباحة الوجه وجمال التركيب ما لم يتوفر في أحد سواه كما وصفه عارفوه . فقد جاء في رواية عمرو بن شمر عن جابر أنه قال : قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقر صف لي رسول اللّه ( ص ) قال : كان نبي اللّه أبيض الوجه مشربا بحمرة أدعج العينين مقرون الحاجبين شثن الأطراف ، كأن الذهب أفرغ على براثنه عظيم مشاشة المنكبين ، إذا التفت يلتفت جميعا من شدة استرساله ، سربته سائلة من لبته إلى سرته كأنه وسط الفضة المصفاة ، وكأن عنقه إلى كاهله إبريق فضة ، يكاد انفه إذا شرب ان يرد الماء ، وإذا مشى تكفأ كأنه ينزل في صب ، لم ير مثل نبي اللّه قبله ولا بعده « 1 » . ليس بغريب إذا خطبته خديجة لنفسها وظلت تشاطره آلامه وتناصره بعقلها وقلبها ومالها حتى لحقت بربها قبل هجرته إلى المدينة بسنة أو سنتين عن خمسة وستين عاما .
--> ( 1 ) انظر ج 1 من الكافي ص 443 .