هاشم معروف الحسني
500
سيرة المصطفى ( ص ) ( نظرة جديدة )
ورجع النبي ومعه أصحابه إلى المدينة بعد ان وقفوا في وجه الغزاة أكثر من عشرين يوما ليلا ونهارا قد أعياهم الجوع والسهر والخوف من تسلط العدو على نسائهم وذراريهم وتمنوا ان يخلدوا إلى الراحة ولو أياما قليلة بعد تلك الغزوة الطويلة التي لم يسبق للمسلمين وحتى ليثرب في تاريخها الطويل ان عانت ما عانته في تلك الأيام من الخوف والقلق والجوع كما ذكرنا ، وقد أوجز اللّه سبحانه حالتهم بالآية التالية : إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا . هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً ( الأحزاب 10 - 11 ) . لقد تمنى المسلمون بعد تلك الجهود المضنية لو يتاح لهم ان يخلدوا إلى الراحة ولو بضعة أيام ، ولكن انى لهم الراحة والاطمئنان على مصيرهم ، واليهود الذين اغروا قريشا وغطفان وغيرهما من الأعراب بالوقوف إلى جانبهم في ذلك الغزو الذي كاد ان يقضي على المسلمين لولا العناية الإلهية التي وفرت للمشركين أسباب الهزيمة وبدت طلائعها ابتداء من قتل علي ( ع ) لعمرو بن ود العامري ونوفل بن عبد اللّه وفرار من معهما من الأبطال الذين استطاعوا عبور الخندق ، والتدابير الحكيمة التي اتخذها النبي ( ص ) بواسطة نعيم بن مسعود لتشتيت امرهم وتمزيق وحدتهم ، وانتهاء بتلك العواصف والصواعق والأمطار التي سدت عليهم جميع المنافذ ولم تترك لهم مجالا للاستقرار والبقاء ولا املا بالسلامة ، وامتلأت قلوبهم من الخوف والرعب . هؤلاء الذين ساهموا في حشد تلك الألوف وانضموا إليهم متجاهلين معاهدتهم للنبي وعهودهم التي قطعوها على أنفسهم بالوفاء لجميع بنودها ، هؤلاء لا يزالون إلى جانبهم في المدينة ونفوسهم لا تنطوي على غير المكر والغدر والخداع وسيمثلون بالغد القريب نفس الدور الذي مثلوه بالأمس مع قريش واحلافها من الأعراب في غير ذلك الفصل الذي حدثت فيه تلك