هاشم معروف الحسني
255
سيرة المصطفى ( ص ) ( نظرة جديدة )
وساقي القوم آخرهم شرابا . ثم حلب في الاناء حتى امتلأ وتركه لها وارتحل ، وما لبث ان جاء زوجها أبو معبد يسوق اعنزا حيلا عجافا هزلا ، فلما رأى اللبن تعجب وقال من أين لكم هذا والشاة عازبة ولا حلوبة في البيت ، قالت لا واللّه : إلا أنه مر بنا رجل مبارك وقصت عليه قصته ، فقال واللّه اني لأظنه صاحب قريش الذي يطلب ، صفيه لي ، قالت : رأيت رجلا ظاهر الوضاء منبلج الوجه حسن الخلق ، لم تعيه ثلجة ، ولم تزر به صلعة ، وسيم قسيم في عينيه دعج ، وفي اشفاره وطف ، وفي صوته صحل ، احور اكحل ، أزج أقرن شديد سواد الشعر ، في لحيته كثافة ، إذا صمت فعليه الوقار وإذا تكلم سما وعلاه البهاء ، حلو المنطق لا نزر ولا هذر ، ومضت تعدد صفاته في حديث طويل لا يعنينا منه أكثر من ذلك ، ولما انتهت من وصفه قال لها أبو معبد : واللّه هذا صاحب قريش ، ولو وافقته يا أمّ معبد لالتمست ان اصحبه ولأفعلن إذا وجدت إلى ذلك سبيلا ، وأخيرا هاجرت أمّ معبد وزوجها إلى يثرب وأسلمت . وجاء في طبقات ابن سعد ان النبي ( ص ) بينما هو في طريقه إلى يثرب عرض له سراقة بن مالك بن خثعم وهو على فرس له فدعا عليه رسول اللّه فرسخت قوائم فرسه في الأرض ، فقال يا محمد ادع اللّه ان يطلق فرسي وارجع عنك وأرد من ورائي فدعا له النبي فانطلق الفرس ، فرجع ووجد الناس يلتمسون رسول اللّه فقال لهم ارجعوا فقد استبرأت لكم خبره فلم أجد له أثرا ، فرجعوا وتابع ركب النبي ( ص ) طريقهم يقطعون السهول والجبال والأودية ، ويتحملون من حر الهاجرة ورمال الصحراء وجهد السير خلال سبعة أيام من رحلتهم قطعوا بها القسم الأكبر من المسافة بين مكة والمدينة وأصبحوا في أمان من خطر قريش ، فلما انتهوا إلى قبيلة بني سهم جاء شيخها بريدة لكي يحيي النبي ( ص ) وكان الخبر قد سبقه إلى المدينة .