هاشم معروف الحسني

179

سيرة المصطفى ( ص ) ( نظرة جديدة )

من حق كل باحث ان يقف موقف المتأمل ويطرح هذا السؤال بعد ما ثبت من تاريخ النبي العظيم ، انه كان سياسيا بعيد التفكير كما كان صاحب رسالة وعطف ورحمة لا يدانيه فيهما أحد . وإذا رجعنا إلى أحاديث الهجرة وما أحيط بها وإلى المهاجرين أنفسهم نجد ان المهاجرين ليس فيهم الا القليل النادر من الموالي والمستضعفين الذين كانوا يتعرضون للتنكيل والتعذيب كعمار وغيره إذا صح انه كان معهم ، وجلهم ينتمون إلى عشائر عربية كتميم وأسد وزهرة وأميّة وهاشم وهذيل وعبد شمس ونوفل ومخزوم وعدي وغير ذلك من القبائل التي لها شأنها في مكة وجوارها وترتبط كل واحدة مع الأخرى اما باحلاف أو مصاهرة ونحو ذلك من العلاقات التي تشد العرب بعضهم إلى بعض ، ولا تكاد تجد قبيلة من قبائل مكة الا وقد خرج منها مهاجر كما ذكر المؤلفون في السيرة ، وهذه القبائل بالرغم من أنها لم تكن طيبة النفس باسلام من أسلم منها ، ولكنها لم تكن لتسمح في التنكيل بابنائها ، على أن جعفر بن أبي طالب لم يكن معرضا للتنكيل ، ولم يحدث أحد بأنهم قد تعرضوا له بسوء ، وعلى تقديره فلم يكن هو وأخوه علي وعمهما الحمزة وأبو طالب وغيرهم من الهاشميين يبخلون بأنفسهم في سبيل محمد ودعوته ، ومن غير المتصور في حق جعفر ان يفد إلى الحبشة لسلامة نفسه ويترك محمدا ( ص ) عرضة للأذى والتعذيب لولا ان الغاية من هجرته اسمى واجدى للاسلام والمسلمين وأكثر ايجابية وعطاء من بقائه في مكة . ولو كانت الهجرة فرارا من الأذى والتعذيب كما يدعي المؤرخون والذين كتبوا في السيرة ، لم يبق مسوغ لبقائهم في الحبشة إلى ما بعد السنة الثالثة أو الرابعة وحتى إلى السنة السابعة لهجرة الرسول من مكة إلى المدينة وقد أصبح المسلمون فيها في امن وأمان واطمئنان على نفوسهم واسلامهم من قريش وسائر العرب . وقد اتفق المؤرخون ان جعفرا وجماعة معه من المهاجرين تركوا الحبشة