هاشم معروف الحسني
139
سيرة المصطفى ( ص ) ( نظرة جديدة )
رأسه يقول : واللّه اني لأرى حقا يطفأ وباطلا يحيا ، وصادقا مكذبا ، واثرة بغير تقى ، وصالحا مستأثرا عليه . وسرت كلمات أبي ذر وصيحاته بين الجماهير سريان النار في الهشيم ، وأيقن معاوية ان بقاءه في الشام يشكل خطرا على الدولة الأموية لا يمكن تلافيه ، فكتب إلى عثمان يشكوه إليه ويحذره من بقائه في تلك البلاد لأن الجماهير قد أوشكت ان تقف إلى جانبه . فكتب إليه عثمان ، اما بعد فإذا أتاك كتابي فاحمل جندبا إلي على أغلظ مركب ، فأرسله معاوية مع جماعة من خاصته مكبلا وأوصاهم ان لا يرفقوا به في ليل أو نهار ، فلما بلغ المدينة سقط لحم فخذيه من الجهد الذي اصابه . ولما دخل على عثمان ، قال له لا أنعم اللّه بك عينا يا جنيدب ، فقال له أبو ذر : انا جنيدب وسماني رسول اللّه عبد اللّه فاخترت اسم رسول اللّه على اسمي ، فقال عثمان : أنت الذي تزعم انا نقول : يد اللّه مغلولة ، وان اللّه فقير ونحن أغنياء ، فقال أبو ذر : لو كنتم لا تزعمون ذلك لأنفقتم مال اللّه على عباده ، واني اشهد اني سمعت رسول اللّه يقول : إذا بلغ بنو العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال اللّه دولا وعباده خولا ودين اللّه دخلا ، واشتد الحوار بينهما وأبو ذر يزداد تصلبا وتصميما على مناهضة الظلم والطغيان والتنديد بتلك الفئة الحاكمة التي استغلت ضعف عثمان وليونته على ذويه وأتباعه المستهترين بدين اللّه وحقوق عباده . ولما لم يجدوا سبيلا لاسكاته وضع عثمان في حسابه أحد امرين اما قتله أو نفيه ، ورأى أن قتله يجر عليهم غضب المسلمين ونقمة الجماهير لأنها تقدس ابا ذر وتعلم ما له من الصلة الأكيدة بالرسول وقد سمعوه أكثر من مرة يقرظه ويثني عليه في مختلف المناسبات . فلا بد من نفيه عن المدن والعواصم إلى مكان مقفر من السكان ومنع الناس من زيارته والاتصال به ، وكان الأمر كذلك فاختاروا له الربذة لتكون مسكنه ومدفنه وحملوه إليها مع زوجته وابنته على كره منه ، فعاش فيها ما بقي من حياته وحيدا غريبا في ارض مقفرة من السكان وحتى من الطير والوحوش