العلامة المجلسي

95

بحار الأنوار

وأقول : رأيت في بعض الكتب أن في الأوقات اشتد القحط وعظم حر الصيف والناس خرجوا إلى الاستسقاء فلما أبلحوا ( 1 ) قال : خرجت إلى بعض الجبال فرأيت ظبية جاءت إلى موضع كان في الماضي من الزمان مملوا من الماء ولعل تلك الظبية كانت تشرب منه ، فلما وصلت الظبية إليه ما وجدت فيه شيئا من الماء ، وكان أثر العطش الشديد ظاهرا على تلك الظبية فوقفت وحركت رأسها إلى جانب السماء فأطبق الغيم وجاء الغيث الكثير . ثم إن أنصار هذا القول قالوا : لما بينا بالدليل أن هذه الحيوانات تهدي إلى الحيل اللطيفة فأي استبعاد في أن يقال : إنها تعرف أن لها ربا ومدبرا وخالقا ؟ وهذا تمام القول في دلائل هذه الطايفة . واحتج المنكرون لكونها عاقلة عارفة بأن قالوا : لو كانت عاقلة لوجب أن تكون آثار العقل ظاهرة في حقها ، لان حصول العقل لها مع أنه لا يمكنها الانتفاع البتة بذلك العقل عبث ، وذلك لا يليق بالفاعل الحكيم ، إلا أن آثار العقل غير ظاهرة فيها ، لأنها لا تحترز عن الافعال القبيحة ، ولا تميز بين ما ينفعها وبين ما يضرها فوجب القطع بأنها غير عاقلة . ولمجيب أن يجيب فيقول : إن درجات العلوم والمعارف كثيرة واختلاف النفوس في ماهيتها محتمل ، فلعل خصوصية نفس كل واحد منها لا تقتضي إلا النوع المعين من العقل ، وإلا القسم المخصوص من المعرفة ، فإن كان المراد بالعقل جميع العلوم الحاصلة للانسان فحق أنها ليست عاقلة ، وإن كان المراد بالعقل معرفة نوع من هذه الأنواع فظاهر أنها موصوفة بهذه المعرفة ، وبالجملة فالحكم عليها بالثبوت والعدم حكم على الغيب ولا يعلم الغيب إلا الله ، وليكن ههنا آخر كلامنا في النفوس الحيوانية والله أعلم انتهى كلامه .

--> ( 1 ) في النسخة المطبوعة : " فلما افلحوا " ولعل كلاهما مصحفان والصحيح : " فلما بلحوا " أي اعيوا وعجزوا يقال : بلح وبلح على أي لم أجد عنده شيئا ، أو الصحيح : فما أفلحوا .