العلامة المجلسي

55

بحار الأنوار

انظر إلى قوائم الحيوان كيف تأتي أزواجا لتهيأ ( 1 ) للمشي ولو كانت أفرادا لم تصلح لذلك ، لان الماشي ينقل بعض قوائمه ويعتمد على بعض : فذو القائمتين ينقل واحدة ويعتمد على واحدة ، وذو الأربع ينقل اثنين ويعتمد على اثنين ، وذلك من خلاف لان ذا الأربع لو كان ينقل قائمتين من أحد جانبيه ويعتمد على قائمتين من الجانب الآخر لما يثبت على الأرض كما لا يثبت السرير وما أشبهه ، فصار ينقل اليمنى من مقاديمه مع اليسرى من مآخيره ، وينقل الأخريين أيضا من خلاف فيثبت على الأرض ولا يسقط إذا مشى . أما ترى الحمار كيف يذل للطحن والحمولة وهو يرى الفرس مودعا منعما ، والبعير لا يطيقه عدة رجال لو استعصى كيف كان ينقاد للصبي ؟ والثور الشديد كيف كان يذعن لصاحبه حتى يضع النير على عنقه ويحرث به ؟ والفرس الكريم يركب السيوف والأسنة بالمواتاة ( 2 ) لفارسه ، والقطيع من الغنم يرعاه رجل واحد ، ولو تفرقت الغنم فأخذ كل واحد منها في ناحية لم يلحقها ، وكذلك جميع الأصناف المسخرة للانسان ، ( 3 ) فبم كانت كذلك إلا بأنها عدمت العقل والروية ، فإنها لو كانت تعقل وتروى ( 4 ) في الأمور كانت خليقة أن تلتوي على الانسان في كثير من مآربه ( 5 ) حتى يمتنع الجمل على قائده والثور على صاحبه وتتفرق الغنم عن راعيها وأشباه هذا من الأمور . وكذلك هذه السباع لو كانت ذات عقل وروية فتوازرت على الناس كانت خليقة أن تحاجهم ( 6 ) ، فمن كان يقوم للأسد ، والذئاب والنمورة والدببة لو

--> ( 1 ) في كتاب التوحيد من البحار : لتتهيأ . ( 2 ) المواتاة : الموافقة . ( 3 ) في الموضع المتقدم : مسخرة للانسان . ( 4 ) تروى : تفكر . ( 5 ) المآرب : الحوائج . ( 6 ) هكذا في النسخ ، وفى توحيد البحار : تجتاحهم ، ولعله الصحيح أي تستأصلهم وتهلكهم .