العلامة المجلسي
212
بحار الأنوار
على الاحياء في الدنيا والحشر فقد رد بأن الإماتة إنما تكون بعد سابقة الحياة ، ولا حياة في أطوار النطفة ، وبأنه قول شذاذ من المفسرين ، والمعتمد هو قول الأكثرين . انتهى كلامه . فقد جعل التفسير بالوجه الأول مستفيضا ، وبالوجه الثاني شاذا ، ويخطر بالبال أن الامر بالعكس فإن الشائع المستفيض بين المفسرين هو ما جعله شاذا ، والشاذ النادر هو ما جعله مستفيضا ، ولعل هذا من سهو قلمه ، فإن التفاسير المشهورة التي عليها المدار في هذه الاعصار هي الكشاف ، ومفاتح الغيب ، ومعالم التنزيل ، ومجمع البيان ، وجوامع الجامع ، وتفسير النيشابوري ، وتفسير البيضاوي ، ولم يختر أحد من هؤلاء تفسير الآية بالوجه الأول ، بل أكثرهم إنما اختاروا التفسير الثاني . وأما التفسير الأول فبعضهم نقله ثم زيفه وبعضهم اقتصر على مجرد نقله من غير ترجيح ، فلو كان هو الشائع المستفيض كما زعمه السيد المحقق لما كان الحال على هذا المنوال ، قال في الكشاف : أراد بالإماتتين خلقهم أمواتا أولا ، وإماتتهم عند انقضاء آجالهم ، وبالإحيائين الاحياء الأولى ، وإحياء البعث . ثم قال بعد ذلك : فإن قلت : كيف صح أن يسمى خلقهم أمواتا إماتة ؟ قلت : كما صح أن تقول : سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر جسم الفيل ، وقولك للحفار : ضيق فم الركية ووسع أسفلها ، وليس ثم نقل من كبر إلى صغر ، ولا من صغر إلى كبر ، ولا من ضيق إلى سعة ، ولا من سعة إلى ضيق ، وإنما أردت الانشاء على تلك الصفات ، والسبب في صحته أن الصغر والكبر جائزان معا على المصنوع الواحد من غير ترجيح لأحدهما ، وكذلك الضيق والسعة ، فإذا اختار الصانع أحد الجائزين وهو متمكن منهما على السواء فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر ، فجعل صرفه عنه كنقله منه ، ومن جعل الإماتتين التي بعد حياة الدنيا ، والتي بعد حياة القبر لزمه إثبات ثلاث إحياءات وهو خلاف ما في القرآن ، إلا أن يتمحل فيجعل إحداها غير معتد بها ، أو يزعم أن الله يحييهم في القبور وتستمر بهم تلك الحياة فلا يموتون بعدها و