هاشم معروف الحسني

61

سيرة الأئمة الاثني عشر ( ع )

التي ختم بها أبو الشهداء ثمانية وخمسين عاما من حياته كانت حافلة بالخير والجهاد والاحسان وبكل معاني النبل والفضيلة والخلق الكريم . لقد استطاع الوالي الجديد ان يحكم الحيلة ليقبض على هانئ بن عروة الذي آوى رسول الحسين ( ع ) وأحسن ضيافته واشترك معه في الرأي والتدبير ، فقبض عليه وقتله بعد حوار طويل جرى بينهما وألقى بجثمانه من أعلى القصر إلى الجماهير المحتشدة حوله ، فاستولى الخوف والتخاذل على الناس وذهب كل انسان إلى بيته وكأن الأمر لا يعنيه . ولما علم مسلم بما جرى لهانئ ورأى تخاذل مذحج الغنية بعددها وعدتها ، خرج في أصحابه ونادى مناديه في الناس وسار بهم لمحاصرة القصر واشتد الحصار على ابن زياد وضاق به امره ، ولكنه استطاع بدهائه ومكره ان يتغلب على المحنة ويخذل الناس عن مسلم ، فانصرفوا عنه ، وبدخول الليل صلى بمن بقي معه وخرج من المسجد الجامع وحيدا لا ناصر له ولا مؤازر ، ولا من يدله على الطريق وأقفل الناس أبوابهم في وجهه فمضى يبحث عن دار يأوي إليها في ليلته تلك ، وفيما هو يسير في ظلمة الليل ، وجد امرأة على باب دارها وكأنها تنتظر شيئا فعرفها بنفسه وسألها المبيت عندها إلى الصباح فرحبت به وأدخلته بيتها وعرضت عليه العشاء فأبى ان يأكل شيئا ، وعرف ولدها بمكانه وكان ابن زياد قد أعد جائزة لمن يخبره عنه ، وما كاد الصبح يتنفس حتى اسرع ولدها إلى القصر وأخبر محمد بن الأشعث بمكان مسلم بن عقيل ، وفور وصول النبأ إلى ابن زياد ارسل قوة كبيرة من جنده بقيادة ابن الأشعث إلى المكان الذي فيه مسلم ، وما ان سمع بالضجة حتى أدرك ان القوم يطلبونه فخرج إليهم بسيفه وكانوا قد طوقوا الدار من كل جهاتها فانهزموا بين يديه وهم أكثر من مائتي مقاتل ، ولما أعياهم امره أمدهم ابن زياد بالخيل والرجال ، وبعد معارك ضارية بينه وبينهم في الشوارع استعملوا فيها النار والحجارة من أعلى السطوح استسلم لهم مسلم بعد ان أمنه ابن الأشعث وأعطاه العهود والمواثيق بذلك .