هاشم معروف الحسني
414
سيرة الأئمة الاثني عشر ( ع )
سهامهم ، فحمل بمن معه نحوهم ثم توقف ، فأتاه أمير المؤمنين وضربه بقائم سيفه وقال له : لقد أخذك عرق من أمك كما جاء في رواية المسعودي وأخذ الراية منه وتقدم بها فحمل الناس معه ، فكان القوم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ، وتناوب بنو خبة على خطام الجمل حتى قتل منهم جماعة ، فأمرهم بأن يعقروا الجمل ، فلما عقروه هوى إلى الأرض وله ضجيج لم يسمع الناس بمثله على حد تعبير الراوي ، فتفرق من كان حوله كالجراد المنتشر وبقيت صاحبة الهودج وحدها في ميدان المعركة ، فقال لأخيها محمد بن أبي بكر أدرك أختك حتى لا تصاب بأذى ، فأقبل يشتد نحوها وأدخل يده في هودجها وقال لها : أنا أخوك أقرب الناس منك وأبغضهم إليك ، يقول لك أمير المؤمنين : هل أصابك شيء ؟ فلم تتكلم ، ثم جاءها أمير المؤمنين فوقف على هودجها وضربه بقضيب كان في يده ، وقال : يا حميراء ، ألم يأمرك رسول اللّه أن تقري في بيتك ، واللّه ما أنصفك الذين صانوا عقائلهم وأبرزوك ، وأمر أخاها فأنزلها في دار صفية بنت الحرث بن أبي طلحة العبدي . وانتهت المعركة بهزيمة المتمردين وسقوط طلحة والزبير قتيلين مع آلاف القتلى من الطرفين وحاول بعض أنصاره قتل عائشة فأنكر عليهم ووضعها تحت الحراسة الشديدة حتى لا يتعرض لها أحد بسوء ، وأمر من ينادي في أصحابه : لا تجهزوا على جريح ولا تتبعوا هاربا ولا تطعنوا مدبرا ومن ألقى سلاحه فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن . ووقف بين قتلاه وقتلى المتمردين عليه في حالة من القلق والتمزق ، وبين خصومه وأنصاره رجال من الذين ابلوا بلاء حسنا في الإسلام ، لقد حزن من أجل هؤلاء الذين قتلهم وأولئك الذين قاتل بهم ، ومن أجل الرسالة السامية التي تتعرض للفتنة في بداية عهد جديد تمنى فيه أن يتفرغ لأهدافه التي كان يطالب بالخلافة من أجلها . لقد حزن من أجل هذا العمى الذي أصاب فريقا من المسلمين الذين قادتهم المطامع والأهواء إلى هذا المصير السيئ الذي لم يكن يتمناه لهم ولا لأحد من المسلمين ، وحزن من أجل نفسه وقد وقفت قريش له بالمرصاد كما وقفت