هاشم معروف الحسني

254

سيرة الأئمة الاثني عشر ( ع )

وفي رواية ثانية أنهم بعد موقفهم المعارض لكتابة الكتاب قالوا له : لا نأتيك بالدواة والكتف يا رسول اللّه ، فقال لا . أبعد الذي قلتم ، ولكني أوصيكم بأهل بيتي خيرا . وتكاد الروايات التي وصفت مرض النبي وما جرى فيه من أحداث ومحاورات وتحدثت عن رغبته الملحة في كتابة شيء يجمعهم على الحق والهدى ، تكاد تلك الروايات تتفق على أن عمر بن الخطاب لقد حال بين النبي وما يريد ووصفه بالهذيان ، أو ما يلزمه ذلك . ولولا أنه أدرك أن الكتاب له صلة مباشرة بمصير المسلمين بعد وفاة نبيهم وبمن استخلفه من بعده لم يقف هذا الموقف ، ولعل النبي بعد أن رأى منهم ذلك وسمع عمر بن الخطاب يصفه بالهذيان أو بما يؤدي هذا المعنى اعرض عن كتابة الكتاب لأنه ليس لدى القوم ما يمنعهم من ترويج هذه المقالة بعد وفاته لا بطال مفعول الكتاب ، أو تأويل مضامينه بما يتفق مع مصالحهم وقد يذهبون إلى أبعد من ذلك ، ولذا فإنهم لما عرضوا عليه أن يكتب ما يريد بعد مقالة ابن الخطاب ، قال لهم : أبعد الذي قلتم . وجاء عن ابن عباس أنه كان إذا تذكر ذلك اليوم يتحسر ويتأسف وأحيانا يبكي لفوات تلك الفرصة التي لو تمت حسبما يرى ابن عباس لا يتخلف عن علي اثنان . وحسب تقديري أن هذا الحديث من الموضوعات لأن عبد اللّه بن عباس لم يكن لتخفى عليه نوايا القوم ومخططاتهم لاقصاء علي عن الخلافة واستيلائهم عليها ولو بأغلى الأثمان . وكما ذكرنا فلقد انكشف للنبي كما يبدو من قوله : أبعد الذي قلتم ، أنه لو كتب لهم عشرين كتابا سوف يحورونها ويتأولون مضامينها كما أنكروا بقية النصوص وتأولوا بعضها ، وإذا لم يجدوا سبيلا لذلك ليس لديهم ما يمنع من القول أنه كان فاقد الوعي حين كتابتها من شدة الوجع ، وبذلك يفتحون أبوابا للتشكيك فيما بلغه عن اللّه سبحانه بعد أن جوزوا عليه أن يتكلم ويبلغ وهو