هاشم معروف الحسني

175

سيرة الأئمة الاثني عشر ( ع )

منها أن يشدّ . بعضهم إلى بعض برباط الإسلام والإيمان بدلا من رابطة العرق والدم والتحالف الذي كان قائما بين قبائل العرب وكان يتحكم بمصيرهم ويجرهم إلى الدمار والخراب . لقد أراد النبي ( ص ) بتلك الأخوة أن ينظم صفوفهم ويؤكد وحدتهم تحت لواء الإسلام ويجعلهم أخوة في اللّه يغضبون ويرضون ويحبون ويكرهون للّه وحده ويتناسون ما بينهم من أحقاد وثارات ، وإن دل هذا التدبير الحكيم من النبي ( ص ) على شيء فإنما يدل أولا وقبل كل شيء على بعد نظره وعمق تفكيره فلقد أدرك أن الإسلام مقبل على تحرك واسع وجهود شاقة لا بد للتغلب عليها من وحدة الهدف والغاية والتغاضي عما كان يحدث بين القبائل العربية من حروب وغارات وبخاصة الأوس والخزرج وبينهم وبين غيرهم من القبائل الضاربة بالقرب من المدينة ، تلك الخصومات التي كانت ذكرياتها تثير الأحقاد وتجرهم إلى المعارك الدامية لأبسط الأسباب . هذا بالإضافة إلى أن الوافدين إلى المدينة من المهاجرين كان أكثرهم لا يملك قوت يومه ، فكانوا في أمس الحاجة إلى المساعدة والعمل لتوفير قوتهم وضرورات عيشهم ، وبالفعل لقد كان لذلك الترابط الذي أوجده النبي ( ص ) فيما بينهم أثره الطيب في نفوس الأنصار فآثروهم على أنفسهم ويسروا لهم سبل الحياة والعمل حتى أصبح الكثير منهم في بضع سنوات معدودات من الأثرياء . ومضى ابن هشام في سيرته يقول : لقد آخى بين أبي بكر وخارجة بن زهير وبين عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك من بني سالم بن عوف وبين عامر بن عبد الله المعروف بأبي عبيدة بن الجراح وبين سعد بن معاذ ، وبين عبد الرحمن بن عوف وبين سعد بن الربيع من الخزرج ، وبين الزبير بن العوام وسلامة بن سلامة من بني عبد الأشهل وبين عثمان بن عفان وأوس بن ثابت من بني النجار ، وبين طلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك من بني النجار ، وهكذا حتى لم يبق من المهاجرين أحد إلا وآخى بينه وبين أنصاري ، وأصبح كل مسلم أنصاري يحس بواجب عليه نحو أخيه الجديد من المهاجرين ويواسيه بنفسه وقوته ، وأصبحت الوثائق والروابط التي تشد الناس بعضهم إلى بعض تتضاءل