هاشم معروف الحسني

170

سيرة الأئمة الاثني عشر ( ع )

روح المقاومة التي عرف بها ابن عمه العظيم ، وكان مبيته على فراش النبي تزكية للدعوة وحافزا على الجهاد الطويل . ثم أن في هذه المغامرة ما يوجز الحقيقة عن الإمام وطباعه ومزاجه ، فإذا هي صادرة عنه كما تصدر الأشياء عن معادنها دون تكلف ودون إجهاد ففيها نموه الذهني المبكر الذي جعله يدرك الدعوة التي يدق فهمها فهما صحيحا على من كان في مثل سنه ، وفيها زهده في الحياة إذا لم تكن عمرا لمكارم الأخلاق ، وفيها صدقه الحر واخلاصه العجيب وفيها عدله بين نفسه وبين سواه من أهل الجهاد وما يتوخاه بذلك من نصرة المظلومين والمستضعفين إذا قتل هو ونجحت الرسالة على يدي صاحب الهجرة وفيها مواجهته للأمور بسماحة وبساطة لا يعرف معهما إلى الكلفة سبيلا ، وفيها المروءة والوفاء والطيبة والشجاعة وسائر صفات الفروسية التي يمثلها علي بن أبي طالب ، بل هي شيء من استشهاده المقبل . وتستمر صلاة المودة والإخاء بين محمد وعلي ويستمر بينهما تعاطي الخير على انجاح الرسالة هذا التعاطي الذي يتماسك في أعماقه ويتخذ منذ أن عرف محمد أبا طالب ، ومنذ أن عرف محمد عليا ومنذ أن اجتمع الثلاثة في بيت واحد قام على مزايا الشهامة ، وما كانت خصائص البيت الطالبي إلا حافزا لأبي طالب وولده علي على فهم عبقرية محمد يتمثل لدى الأول شعورا وتضحية ولدى الثاني فكرا جبارا وشعورا عميقا شاملا وتضحية أشبه بصنع المعجزات . ويدرك الرسول هذه الحقيقة فيه فيحبه الحب الذي يأخذ مصدره من حبه للرسالة ذاتها ، ولا يكتفي بأن يحبه وحده فتراه يحببه إلى الناس في كل ظرف ومناسبة ليمهد له سبيل الخلافة في زمن يأتي بوصفه استمرارا للرسول لا لكونه ابن البيت الهاشمي وابن عم الرسول ، فإن الرسول قد اتقى هذه العصبية ، بل حاربها جاهدا وحطم مفاهيمها تحطيما .