السيد نعمة الله الجزائري
65
رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار ( ع )
في ذلك الموضع ، فأقمنا في تلك البقعة أياما حتى فنى الماء الذي كان معنا وأسقيناه جمالنا ، ولولا أن جمالنا كانت لبونا لهلكنا وتلفنا عطشا ، وكان والدي يطوف في تلك البقعة في طلب النهر ويأمرنا أن نوقد نارا ليهتدي بضوئها إذا أراد الرجوع إلينا . فكنّا في تلك البقعة نحو خمسة أيام ووالدي يطلب النهر فلا يجده ، وبعد الاياس عزم على الانصراف حذرا من التلف لفناء الزاد والماء ، والخدم الذين كانوا معنا ضجروا فأوجسوا في أنفسهم خيفة من الطلب ، فألحوا على والدي بالخروج من الظلمات فقمت يوما من الرحل لحاجتي فتباعدت من الرحل قدر رمية سهم ، فعثرت بنهر ماء أبيض اللون عذب لذيذ لا بالصغير من الأنهار ولا بالكبير يجري جريا ليّنا ، فدنوت منه وغرفت منه بيدي غرفتين أو ثلاثا فوجدته عذبا باردا لذيذا ، فبادرت مسرعا إلى الرحل فبشرت الخدم بأني قد وجدت الماء ، فحملوا ما كان معنا من القرب والأدوات لنملأها ولم أعلم أن والدي في طلب ذلك النهر ، وكان سروري بوجود الماء لما كنّا فيه من عدم الماء ، وكان والدي في ذلك الوقت غائبا عن الرحل مشغولا بالطلب ، فجهدنا وطفنا ساعة قويّة في طلب النهر ، فلم نهتد إليه حتى أن الخدم كذبوني وقالوا لي : لم تصدق . فلمّا انصرفت إلى الرحل وانصرف والدي أخبرته القصة فقال لي : يا بني الذي أخرجني إلى ذلك المكان وتحمل الخطر كان لذلك النهر ، ولم أرزق أنا وأنت رزقته ، وسوف يطول عمرك حتى تملّ الحياة . ورحلنا منصرفين وعدنا إلى أوطاننا وبلدنا ، وعاش والدي بعد ذلك سنيّات ثم مات رحمه اللّه ، فلمّا بلغ سنّي قريبا من ثلاثين سنة وكان اتصل بنا وفاة النبي صلّى اللّه عليه وآله ووفاة الخليفتين بعده ، خرجت حاجّا فلحقت آخر أيام عثمان ، فمال قلبي من بين أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وآله إلى علي بن أبي طالب ، فأقمت أخدمه وشهدت معه وقائع وفي وقعة صفين أصابتني هذه الشجة من دابته ، فما زلت مقيما معه إلى أن مضى لسبيله عليه السّلام فألح عليّ أولاده وحرمه أن أقيم عندهم فلم أقم وانصرفت إلى بلدي ، وخرجت أيام بني مروان حاجّا وانصرفت مع أهل بلدي إلى هذه الغاية ، وما خرجت في سفر إلّا كان الملوك في بلاد المغرب يبلغهم خبري وطول عمري ، فيشخصوني إلى حضرتهم ليروني ويسألوني عن طول عمري وعمّا شاهدت ، وكنت