السيد نعمة الله الجزائري
17
رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار ( ع )
قال بشر : فامتثلت جميع ما حدّه لي مولاي أبو الحسن عليه السّلام في أمر الجارية ، فلمّا نظرت في الكتاب بكت بكاءا شديدا وقالت للنخاس : بعني من صاحب هذا الكتاب ، وحلفت أنه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها . فما زلت اشاحه في ثمنها حتى استقر الأمر على مقدار ما كان أصحبنيه مولاي من الدنانير ، فاستوفاه وتسلمت الجارية ضاحكة مستبشرة ، وانصرفت بها إلى حجرتي ببغداد ، فما أخذها القرار حتى أخرجت كتاب مولانا عليه السّلام من جيبها وهي تلثمه وتطبقه على جفنها وتضعه على خدّها وتمسحه على بدنها . فقلت تعجبا منها : تلثمين كتابا لا تعرفين صاحبه ؟ فقالت : أيها العاجز الضعيف المعرفة بمحل أولاد الأنبياء اعرني سمعك وفرّغ قلبك ، أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم وأمي من ولد الحواريين تنسب إلى وصي المسيح شمعون أخبرك بالعجب ، جدّي قيصر أراد أن يزوجني من ابن أخيه وأنا من بنات ثلاثة عشرة سنة فجمع في قصره من نسل الحواريين من القسيسين والرهبان ثلاثمائة رجل ومن ذوي الأخطار منهم سبعمائة رجل ، وجمع من أمراء الأجناد وملوك العشائر أربعة آلاف وأبرز من بهيّ ملكه عرشا مصاغا من أصناف الجوهر ورفعه فوق أربعين مرقاة ، فلمّا صعد ابن أخيه وأحدقت به الصلبان وقامت الأساقفة عكّفا ونشرت أسفار الإنجيل ، تساقطت الصلب من الأعلى وتقوضت أعمدة العرش فانهارت إلى القرار وخرّ الصاعد من العرش مغشيا عليه ، فتغيرت ألوان الأساقفة وارتعدت فرائصهم . فقال كبيرهم لجدّي : أيها الملك اعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدالة على زوال هذا الدين المسيحي . فتطير جدّي من ذلك وقال للأساقفة : أقيموا هذه الأعمدة وارفعوا الصلبان واحضروا أخا هذا المدبر المنكوس جدّه لأزوجه هذه الصبية ، فيدفع نحوسه عنكم بسعوده . ولمّا فعلوا ذلك حدث على الثاني مثل ما حدث على الأول وتفرق الناس ، وقام جدّي قيصر مغتما فدخل منزل النساء وأرخيت الستور . ورأيت في تلك الليلة كأن المسيح وشمعون وعدّة من الحواريين قد اجتمعوا في قصر