صفي الرحمان مباركفوري
93
الرحيق المختوم
وذكر ابن هشام وكذا ابن الجوزي مختصرا ، أنه لما أسلم أتى إلى جميل بن معمر الجمحي - وكان أنقل قريش لحديث - فأخبره أنه أسلم ، فنادى جميل بأعلى صوته أن ابن الخطاب قد صبأ . فقال عمر : - وهو خلفه - كذب ، ولكني قد أسلمت ، فثاروا إليه ، فما زال يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم ، وطلح ، أي أعيا عمر ، فقعد ، وقاموا على رأسه ، وهو يقول : افعلوا ما بدا لكم ، فأحلف باللّه أن لو كنا ثلاث مائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا « 1 » . وبعد ذلك زحف المشركون إلى بيته يريدون قتله . روى البخاري عن عبد اللّه بن عمر قال : بينما هو - أي عمر - في الدار خائفا ، إذ جاءه العاص بن وائل السهمي أبو عمرو ، وعليه حلة سبرة وقميص مكفوف بحرير ، وهو من بني سهم ، وهم حلفاؤنا في الجاهلية ، فقال له : مالك ؟ قال : زعم قومك أنهم سيقتلوني إن أسلمت ، قال لا سبيل إليك - بعد أن قالها أمنت - فخرج العاص ، فلقي الناس قد سال بهم الوادي ، فقال أين تريدون ؟ فقالوا : هذا ابن الخطاب الذي قد صبأ ، قال : لا سبيل إليه ، فكر الناس « 2 » وفي لفظ ، في رواية ابن إسحاق : واللّه لكأنما كانوا ثوبا كشط عنه « 3 » . هذا بالنسبة إلى المشركين ، أما بالنسبة إلى المسلمين ؛ فروى مجاهد عن ابن عباس قال : سألت عمر بن الخطاب ، لأي شيء سميت الفاروق ؟ قال : أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام - ثم قص عليه قصة إسلامه وقال في آخره - قلت : - أي حين أسلمت - يا رسول اللّه ! ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا ؟ قال : بلى ! والذي نفسي بيده ، إنكم على الحق وإن متم وإن حييتم ، قال : قلت : ففيم الاختفاء ؟ والذي بعثك بالحق لنخرجن ، فأخرجناه في صفين ، حمزة في أحدهما ، وأنا في الآخر ، له كديد ككديد الطحين ، حتى دخلنا المسجد ، قال : فنظرت إليّ قريش وإلى حمزة ، فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها ، فسماني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « الفاروق » يومئذ « 4 » . وكان ابن مسعود رضي اللّه عنه يقول : ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر « 5 » .
--> ( 1 ) نفس المصدر ص 8 وابن هشام 1 / 348 ، 349 . ( 2 ) صحيح البخاري ، باب إسلام عمر بن الخطاب 1 / 545 . ( 3 ) ابن هشام 1 / 349 . ( 4 ) تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 6 ، 7 . ( 5 ) مختصر سيرة الرسول للشيخ عبد اللّه النجدي ص 103 .