صفي الرحمان مباركفوري

90

الرحيق المختوم

من الأول ، ألا وهو إسلام عمر بن الخطاب ، أسلم في ذي الحجة سنة ست من النبوة « 1 » . بعد ثلاثة أيام من إسلام حمزة رضي اللّه عنه « 2 » . وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم قد دعا اللّه تعالى لإسلامه ، فقد أخرج الترمذي عن ابن عمر ، وصححه ، وأخرج الطبراني عن ابن مسعود وأنس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك : بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام » فكان أحبهما إلى اللّه عمر رضي اللّه عنه « 3 » . وبعد إدارة النظر في جميع الروايات التي رويت في إسلامه يبدو أن نزول الإسلام في قلبه كان تدريجا ، ولكن قبل أن نسوق خلاصتها نرى أن نشير إلى ما كان يتمتع به رضي اللّه عنه من العواطف والمشاعر . كان رضي اللّه عنه معروفا بحدة الطبع وقوة الشكيمة ، وطالما لقي المسلمون منه ألوان الأذى ، والظاهر أنه كانت تصطرع في نفسه مشاعر متناقضة ، احترامه للتقاليد التي سنها الآباء والأجداد ، واسترساله مع شهوات السكر واللهو التي ألفها ، ثم إعجابه بصلابة المسلمين واحتمالهم البلاء في سبيل عقيدتهم ، ثم الشكوك التي كانت تساوره - كأي عاقل - في أن ما يدعو إليه الإسلام قد يكون أجل وأزكى من غيره ، ولهذا ما إن يثور حتى يخور . قاله محمد الغزالي « 4 » . وخلاصة الروايات مع الجمع بينها - في إسلامه رضي اللّه عنه أنه التجأ ليلة إلى المبيت خارج بيته ، فجاء إلى الحرم ، ودخل في ستر الكعبة ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم قائم يصلي وقد استفتح سورة « الحاقة » فجعل عمر يستمع إلى القرآن ، ويعجب من تأليفه ، قال : فقلت - أي في نفسي - هذا واللّه شاعر كما قالت قريش ، . قال : فقرأ : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ، وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ [ الحاقة : 40 - 41 ] قال : قلت : كاهن . قال : وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ . قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ إلى آخر السورة . قال فوقع الإسلام في قلبي « 5 » .

--> ( 1 ) تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ، ص 11 . ( 2 ) ستأتي رواية في ذلك . ( 3 ) الترمذي ، أبواب المناقب ، مناقب أبي حفص عمر بن الخطاب 2 / 209 . ( 4 ) فقه السيرة ، ص 92 ، 93 . ( 5 ) تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 6 ، ويقرب من هذا ما رواه ابن إسحاق عن عطاء ومجاهد . لكن في آخره ما يخالف ذلك . انظر ابن هشام 1 / 346 ، 347 ، 348 ، ويقرب من هذا أيضا ما أورده ابن الجوزي عن جابر ، وفي آخره أيضا ما يخالف هذه الرواية انظر تاريخ عمر بن الخطاب ص 9 - 10 .